المنبر الاعلامي الحر

العدو الأمريكي يتجرع هزيمة عسكرية وسياسية كبرى وإيران تُمهّد لمعركة الاقتصاد عبر هرمز

يمني برس || تقرير_ خاص:

تتجه المواجهة بين إيران والعدو الأمريكي إلى مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما انتقلت طهران من الحديث عن نتائج المواجهة العسكرية والسياسية التي تجرع فيهما العدو الأمريكي هزيمة مخزية إلى رسم ملامح معركة اقتصادية واستراتيجية أوسع، تتقاطع فيها ملفات العقوبات والنفط والدولار والأمن الإقليمي مع مستقبل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.

وفي سلسلة مواقف متلاحقة خلال الأيام الماضية، قدّم مسؤولون إيرانيون تصورات متشددة تجاه واشنطن والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالتوازي مع تأكيدات بشأن إدارة حركة الملاحة في هرمز، فيما برز العراق وسلطنة عُمان كعنصرين مهمين في المشهد السياسي والإقليمي المتسارع.

قاليباف: واشنطن هُزمت.. والمعركة تنتقل إلى الاقتصاد

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال لقائه رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان، اعتبر أن الولايات المتحدة “هُزمت أمام إيران عسكرياً وسياسياً، وستُهزم أيضاً اقتصادياً”، رابطاً ما وصفه بالهزيمة العسكرية والسياسية بدماء الشهداء وجهود الشعب الإيراني و”جبهة المقاومة”.

وتحمل هذه التصريحات دلالة تتجاوز التقييم العسكري المباشر؛ إذ تكشف عن توجه إيراني لعدم التعامل مع المواجهة باعتبارها جولة انتهت، وإنما كصراع متعدد المسارات، يمكن أن تنتقل ساحته من الميدان العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والنظام المالي العالمي.

وفي هذا السياق، دعا قائد الثورة الإسلامية في إيران السيد مجتبى الخامنئي إلى “الإزاحة التدريجية للدولار عن موقعه المؤثر”، في موقف يعكس رغبة طهران في تقليص أدوات الضغط المالي الأمريكية، وعدم ربط مسار التنمية والتقدم الاقتصادي بالخضوع للمطالب الأمريكية.

هرمز.. الورقة الاستراتيجية الأخطر

في قلب التصعيد يقف مضيق هرمز، الذي بات حاضراً بقوة في الخطاب الإيراني باعتباره ورقة استراتيجية لا يمكن فصلها عن مجمل المواجهة.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أعلن أن طهران مستعدة لفتح مسار المضيق وفق سياسة الدولة في حال التزمت الولايات المتحدة برفع الحصار والعقوبات المفروضة على النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن الأموال الإيرانية، ووقف إطلاق النار في لبنان.

لكن هذا الطرح اصطدم، وفق التصريحات الإيرانية، بتعثر التفاهمات المتعلقة بإدارة المضيق، فيما أعلنت بحرية حرس الثورة الإسلامية أن المضيق “مغلق أمام السفن التي تعتزم العبور من دون تنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

وفي تطور لافت، أفادت وكالة فارس بأن ناقلة النفط الهندية “HAANA” حاولت العبور عبر المسار الجنوبي للمضيق قبل أن تتراجع عقب تحذيرها، مشيرة إلى عدم رصد حركة مرور في المسار الجنوبي خلال 24 ساعة.

هذه التطورات تجعل هرمز أكثر من مجرد ممر ملاحي؛ فهو يتحول إلى عنوان مباشر في معادلة الضغط المتبادل، خصوصاً أن أي اضطراب في حركة العبور ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وحسابات الدول المستوردة والمصدرة للنفط.

طهران: الدبلوماسية والدفاع وجهان لمعركة واحدة

وبالتزامن مع التصعيد حول هرمز، أكدت الحكومة الإيرانية أنها ستقف بحزم في مواجهة العقوبات الأمريكية، معتبرة أن الدبلوماسية والدفاع “متكاملان ولا ينفصلان”.

كما نقلت وكالة فارس عن مصادر في وزارة النفط الإيرانية أن إيران تمتلك ما يكفي من النفط للبيع لتغطية موازنة العام الحالي، في رسالة تهدف إلى التأكيد على قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود أمام الضغوط والعقوبات.

وتعكس هذه الرسائل محاولة طهران تثبيت معادلة جديدة مفادها أن الضغط الاقتصادي لن يؤدي بالضرورة إلى تراجع سياسي، بل قد يدفع إيران إلى استخدام أوراقها الإقليمية والطاقوية بصورة أكثر وضوحاً.

الملف النووي.. مواجهة جديدة مع الوكالة الدولية

على خط موازٍ، دخل الملف النووي الإيراني مرحلة جديدة من التوتر، بعدما أعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا يمكنها المطالبة بتفتيش المواقع التي تعرضت لعدوان عسكري قبل اعتماد البروتوكولات الخاصة وضمان أمن تلك المواقع.

واتهم إسلامي الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي بممارسة ضغوط على الوكالة لزيارة المواقع المتضررة، مطالباً المنظمة الدولية بتوضيح موقفها من أمن المنشآت الإيرانية التي تعرضت للهجمات.

كما انتقد موقف المنظمات الدولية، معتبراً أن عدم اعتراض الوكالة على الاعتداءات أو إدانتها يثير تساؤلات حول استقلاليتها وصلاحيتها.

وهنا تبرز عقدة جديدة: إيران تربط أي عودة للتفتيش بالضمانات الأمنية والسياسية، بينما تسعى الأطراف الغربية إلى استعادة آليات الرقابة على البرنامج النووي، ما ينذر بجولة تفاوضية أكثر صعوبة إذا لم تُحسم مسألة المواقع المتضررة وشروط الوصول إليها.

العراق يدخل المشهد برسالة تضامن.. وطهران ترى دوراً إقليمياً مشتركاً

الموقف العراقي بدوره حمل رسالة سياسية واضحة، إذ أكد رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان، خلال لقائه قاليباف، أنه جاء برسالة تضامن شعبية ورسمية، معلناً استعداد بلاده للتعاون مع إيران.

وفي المقابل، اعتبر قاليباف أن خروج قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من العراق يمثل “فخراً تاريخياً” للحكومة والشعب العراقي، معرباً عن أمله في اكتمال الانسحاب براً وجواً.

ولم تتوقف الرسائل عند حدود العلاقات الثنائية، إذ أكد قاليباف أن إيران والعراق قادران على لعب دور حاسم في النظام الإقليمي، ولا سيما في منطقة الخليج.

وتكشف هذه التصريحات عن محاولة لتكريس معادلة إقليمية جديدة تقوم على تعزيز دور دول المنطقة في رسم ترتيباتها الأمنية والسياسية، بعيداً عن الهيمنة الخارجية.

وفي قراءة للمشهد العسكري، حذّر قاليباف من أن ما وصفه بخطة الكيان الصهيوني يتمثل في “توسيع الحرب إلى دول أخرى في المنطقة”، معتبراً أنه لو حقق الاحتلال انتصاراً على إيران لانتقلت الحرب إلى ساحات إقليمية جديدة.

ويضع هذا التقييم المواجهة الإيرانية الإسرائيلية في إطار أوسع من حدود البلدين، حيث تتداخل فيها حسابات الولايات المتحدة، وأمن الخليج، ومستقبل العراق، وحركة الملاحة في البحر الأحمر وهرمز، إلى جانب ملف الطاقة والعقوبات.

معركة كسر نفوذ العدو الأمريكي

من هرمز إلى الدولار، ومن العقوبات إلى النفط، ومن العراق إلى الملف النووي، تبدو الرسائل الإيرانية الأخيرة مترابطة في اتجاه واحد: “رفض تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى أداة لفرض الاستسلام السياسي”.

فطهران لا تتحدث فقط عن الرد على الهجمات أو مواجهة العقوبات، بل تطرح إعادة صياغة أوسع لمعادلات القوة، عبر تقليص الاعتماد على الدولار، وتعزيز العلاقات الإقليمية، والتمسك بأوراق الطاقة والممرات البحرية، بالتوازي مع التشدد في الملف النووي.

وفي المقابل، فإن استمرار التصعيد يحمل مخاطر كبيرة على المنطقة والأسواق الدولية، خصوصاً إذا تحول مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة مفتوحة أو تراجعت حركة الملاحة فيه بصورة واسعة.

ختاماً: هرمز والنفط والدولار.. ثلاثية ترسم الجولة المقبلة

المؤشرات القادمة من طهران لا توحي بأن المواجهة مع واشنطن تتجه إلى الإغلاق السريع، بل إلى “إعادة توزيع أوراق القوة”؛ فإيران تقول إنها تجاوزت مرحلة الضغط العسكري والسياسي، وتستعد لمواجهة ما تعتبره محاولة لإخضاعها اقتصادياً.

وبينما تلوّح طهران بأوراق النفط وهرمز والدولار، وتتشدد في حماية منشآتها النووية، تتجه المنطقة نحو اختبار جديد: “هل تنجح الولايات المتحدة في إبقاء أدوات الضغط الاقتصادي فاعلة، أم تتمكن إيران من تحويل ثقلها الجغرافي والطاقوي والإقليمي إلى قوة ردع اقتصادية وسياسية تفرض معادلة مختلفة؟”

الجواب لن يتحدد في طهران أو واشنطن وحدهما، بل قد ترسمه حركة ناقلة واحدة في مضيق هرمز، أو قرار اقتصادي واحد، أو تطور ميداني قادر على نقل المواجهة من حدودها الحالية إلى “جولة إقليمية أوسع وأكثر كلفة”.

Comments are closed.