وزارة الداخلية تصنع النموذج في إدارة الحشود المليونية
وزارة الداخلية تصنع النموذج في إدارة الحشود المليونية
يمني برس – تقرير – وديع العبسي
لا شك بأن المشهد الاحتفالي المهيب بذكرى المولد النبوي الشريف، بتدفقاته المليونية التي اعتمرت بها ساحة الرسول الأعظم بميدان السبعين في العاصمة صنعاء وساحات عواصم المحافظات قد فرض على كاهل المؤسسة الأمنية مسؤوليات استثنائية وتحديات ميدانية وجسيمة تتجاوز قدرات العديد من الأجهزة الأمنية التقليدية، لا سيما في ظل ما تشهده البلاد من تحديات تقف وراءها منظومة الشر بقيادة أمريكا والكيان الصهيوني.
شحذت وزارة الداخلية همتها وإمكاناتها المتاحة وخاضت التحدي لخدمة ضيوف رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بإيمان وحب. فجاء النجاح المذهل بقدر أهل العزم، لافتاً للأنظار، باعثاً للفخر. نهضت بمختلف قطاعاتها وتشكيلاتها وإداراتها العامة بمسؤوليتها التاريخية والدينية، وسجلت حضوراً استثنائياً ونجاحاً أمنياً باهراً كفل تأمين الساحات، وتسهيل حركة الملايين من ضيوف رسول الله، من لحظة تحركهم إلى الفعالية المركزية وحتى مغادرتهم الآمنة.
هذا النجاح عالي المستوى وعالي الجودة، لم يكن وليد الصدفة، وإنما ثمرة لجهود جبارة، واستعداد مكثف، وعمليات ميدانية دؤوبة واصل فيها رجال الأمن السهر والتناوب دون كلل، ليُقدموا النموذج الراقي لرجل الأمن المُشبع بالثقافة القرآنية والانضباط الدقيق.
تحضير وتخطيط استراتيجي
بدأت الترتيبات لاستقبال المولد النبوي الشريف قبل أسابيع من موعد الفعالية المركزية في الثاني عشر من شهر ربيع الأول لعام 1448، فتحولت أروقة وزارة الداخلية إلى غرف عمليات مشتركة لا تهدأ، تُدرس فيها تفاصيل المعطيات الميدانية وتوضع الخطط الأمنية والتنظيمية بدقة متناهية. وبإشراف مباشر من قيادات الوزارة؛ عُقدت للمناسبة اجتماعات موسعة ترأسها نائب وزير الداخلية اللواء عبد المجيد المرتضى، استعرضت بنود الخطة الأمنية الشاملة المعدة لتأمين ساحات الاحتفال، وتأمين الوفود المشاركة والزائرين، وتوزيع المهام بدقة بين الوحدات الأمنية المختلفة، وآليات التنسيق المباشر مع الوحدات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع وجهاز الأمن والمخابرات والتعبئة العامة. كما حرصت القيادة الأمنية على تقييم تجارب الأعوام السابقة للبناء عليها ومعالجة الثغرات والارتقاء بمستوى الأداء. وشدد نائب وزير الداخلية على ضرورة أن يكون أداء رجال الأمن حاملاً للأخلاق الإسلامية والمنهج القرآني، معبراً عن عظمة المناسبة لتقديم صورة مشرفة تعكس التعامل الراقي مع ضيوف المصطفى وتذليل كافة الصعاب أمامهم وتسهيل تحركاتهم بمرونة عالية.
وفي سياق متصل، ترأس وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والشرطة اللواء أحمد علي جعفر اجتماعات خُصصت لمراجعة الخطط الفرعية للقطاع، ومتابعة مستوى الجاهزية في أمانة العاصمة صنعاء وفروع المحافظات، وتأكيد اليقظة الحذرة لإفشال أي محاولات مشبوهة تستهدف أمن واستقرار الوطن في هذه الذكرى العظيمة.
فيما اعتمدت الترتيبات الهيكلية للعملية الأمنية على تنسيق قيادي مباشر تنطلق فيه التوجيهات من قيادة وزارة الداخلية للمتابعة والإشراف، لتتوزع المهام بين قطاع الأمن والشرطة الذي يضم الأمن المركزي والنجدة والمرور والمنشآت والأحوال المدنية، وقطاع الموارد البشرية والمالية المعني بالإمداد والتموين والورش المتنقلة والدعم اللوجستي، وصولاً إلى المنظومة الميدانية والخدمية المشتركة المسؤولة عن تأمين الساحات وتنظيم الممرات والصيانة الفنية والإسعاف.
انتشار استباقي ومواكبة الفعاليات التحضيرية
ولم يقتصر نشاط وزارة الداخلية على الفعاليات المركزية يوم الثاني عشر من ربيع الأول فحسب، فمنذ تدشين الفعاليات التحضيرية في الأحياء والمديريات والعزل والمؤسسات الرسمية والأهلية، انتشرت دوريات وأفراد الأمن في مختلف المناطق لضمان تأمين الفعاليات المصغرة والمسيرات التوعوية والخطابية. وشكل هذا الحضور المشهود من قبل ومن بعد، صمام أمان حقيقي، عكس مستوى عالياً من الانضباط والجاهزية ومَنْع حدوث أي اختلالات، ويسّر للمواطنين تحركاتهم أثناء مشاركتهم في الفعاليات والأنشطة التحضيرية. كما جسد التواجد المستمر رسالة طمأنة للشعب بأن الأجهزة الأمنية ساهرة على أمنهم وسلامتهم خطوة بخطوة، مع مراقبة المداخل الرئيسية وتحصين المربعات الحيوية لمنع أي محاولات لإرباك المشهد.
تأمين خطوط السير
تُعد إدارة الحركة المرورية أثناء التجمعات المليونية واحدة من أصعب مهام التأمين وأكثرها تعقيداً على الإطلاق؛ فحشود تقدر بالملايين تتوافد عبر أساطيل من الحافلات والمركبات الخاصة وسيارات النقل الجماعي نحو العاصمة صنعاء والساحات المركزية في المحافظات، ما يجعل احتمالية حدوث اختناقات مرورية أمراً وارد الحدوث، لا شك بأنه حدث يتطلب جهداً استثنائياً ورؤية استثنائية محكمة وتواجداً ميدانياً صارماً للمنظومة المرورية.
هنا سجلت الإدارة العامة لشرطة المرور بوزارة الداخلية نجاحاً باهراً، حيث أعلنت عن رفع جاهزيتها القصوى، ونشرت كوادرها ودورياتها وفق خطة مرورية شاملة أدارت الشرايين الرئيسية والفرعية الموصلة للساحات بكفاءة عالية. ولتحقيق الانسيابية المطلوبة وتقديم الدعم الفني والإسعافي لضيوف رسول الله، سخرت شرطة المرور إمكانيات بشرية وآلية ضخمة تم توزيعها بدقة على المربعات الحيوية والمداخل. فنشرت 175 دورية مرورية على التقاطعات والمربعات الشديدة الحيوية، والشوارع الرئيسية بأمانة العاصمة والمحافظات لتنظيم اتجاهات السير وضمان حركة العبور بمرونة، كما تم توزيع 70 “ونشاً” للتعامل السريع مع أي أعطال أو حوادث طارئة قد تسبب تكدساً مرورياً، وفتح الطرقات بشكل عاجل.
وإلى ذلك تم تخصيص 15 ورشة صيانة فنية متنقلة جرى تجهيزها وتوزيعها على الشوارع الرئيسية ومداخل العاصمة والمحافظات لتقديم خدمات الدعم الفني والصيانة الطارئة لمركبات المشاركين، وتوفير 12 سيارة إسعاف مجهزة لتقديم الخدمات الطبية والإسعافية الطارئة والتعامل الفوري مع أي حالات على امتداد خطوط السير ومواقع الفعالية. وشملت الإجراءات أيضاً رفع جاهزية مراكز خدمات شرطة مرور الطرق المفعلة على امتداد الخطوط الطويلة لتقديم الخدمات طوال رحلة الذهاب والعودة، مع تخصيص الرقم المجاني الموحد (194) لاستقبال بلاغات المواطنين على مدار الساعة.
الخطة المرورية تضمنت أيضاً تخصيص خطوط سير محددة لمركبات الوافدين، وأخرى للحافلات الكبيرة، مع تحديد خطوط طوارئ خاصة لسيارات الإسعاف والنجدة. وبفضل هذا التواجد الميداني الكثيف، شهدت حركة المرور سلاسة فائقة وعدم حدوث أي اختناقات، فيما تمكنت الحشود المليونية من الوصول إلى الساحات والمغادرة منها عقب انتهاء الاحتفال بدقة وسهولة متناهية.
مبادرات إسناد متطورة لقطاع الموارد
لم تحصر وزارة الداخلية مفهوم العمل الأمني في الجانب الاستخباراتي والوقائي فقط، فاتسع عملها مع إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف ليشمل أبعاداً إنسانية وخدمية راقية تعكس الثقافة القرآنية والروح المؤمنة التي يتحلى بها رجال الأمن. فبتوجيهات مباشرة من وزير الداخلية اللواء عبدالكريم أمير الدين الحوثي، وبإشراف ورعاية وكيل قطاع الموارد البشرية والمالية اللواء علي سالم الصيفي، أطلقت الإدارة العامة للإمداد والتموين مبادرة خدمية استثنائية تمثلت في تجهيز وتشغيل 31 ورشة صيانة متنقلة متخصصة، أُسندت إليها مهمة تقديم خدمات الصيانة الفنية الطارئة لسيارات ومركبات المشاركين القادمين إلى العاصمة صنعاء والساحات المركزية. عمل في هذه الورش المتنقلة أكثر من 129 مهندساً وفنياً متخصصاً في مجالي الميكانيك والكهرباء، مزودين بالمعدات والأدوات اللازمة، وتم توزيعهم على مختلف المداخل الرئيسية لأمانة العاصمة وتخوم ميدان السبعين. وقد أسهمت هذه الفرق الميدانية فعلاً في إصلاح مئات الأعطال الطارئة التي تعرضت لها عدد من مركبات المواطنين أثناء رحلتهم، ما أزال عن كاهل ضيوف رسول الله أعباء المتاعب الفنية ويسّر لهم رحلتهم الإيمانية، مع تخصيص أرقام هواتف مباشرة لطلب الدعم الفني السريع في أي لحظة. كما شاركت كوادر إدارات قطاع الموارد البشرية والمالية بفعالية ميدانية في الترتيبات الإدارية والإسناد اللوجستي وتوفير المتطلبات العينية للوحدات الميدانية المرابطة، الأمر الذي ضمن استمرار أداء الكادر الأمني بأعلى مستويات الكفاءة والجاهزية على مدار أيام المناسبة.
انتشار مكثف وتأمين الساحات المليونية
مع إطلالة يوم الثاني عشر من ربيع الأول أشرقت العاصمة صنعاء وعواصم المحافظات على مشاهد إيمانية عظيمة؛ حيث تدفقت أمواج بشرية مليونية إلى ميدان السبعين والشوارع المحيطة به، واكتظت بها الساحات المخصصة في مختلف المحافظات. وأمام هذا الطوفان البشري غير المسبوق، أظهرت مختلف تشكيلات وزارة الداخلية مستوى استثنائياً من الجاهزية واليقظة، حيث تقاسمت الوحدات والقطاعات المهام الأمنية والتنظيمية بدقة تناغمية عالية.
وفي هذا السياق، نفذت قوات الأمن المركزي انتشاراً واسعاً ومحكماً في مختلف شوارع وأحياء العاصمة صنعاء والنطاق المحيط بساحة الرسول الأعظم بميدان السبعين، وأظهر منتسبوها مستوى عالياً من الانضباط والجاهزية والقدرة على إدارة الجموع البشرية الضخمة مُشكّلين طوقاً أمنياً وقائياً. ومن جانبها، تكفلت قوات النجدة بمهام أمنية وتنظيمية محورية بدءاً من المداخل الرئيسية لأمانة العاصمة ومحافظات صنعاء والحديدة وغيرها، وحتى الشرايين المحيطة بالساحات، حيث انتشر أفرادها بكثافة عالية في النقاط الدائمة والمؤقتة لتفتيش السيارات والوافدين وتقديم المساعدة للحشود وتعزيز الأمن والطمأنينة.
فيما تولت شرطة حراسة المنشآت وحماية الشخصيات عمليات تأمين المقرات والمرافق العامة المحيطة بالساحات، وحماية الوفود والشخصيات الرسمية والدبلوماسية والعلماء القادمين للمشاركة في الفعالية، إضافة إلى إدارة منافذ الدخول المخصصة لكبار الضيوف. ونشرت فرق الدفاع المدني آلياتها وسيارات الإطفاء والإنقاذ في نقاط قريبة من التجمعات البشرية وفي محيط الساحات، مع رفع جاهزية أطقم التدخل السريع للتعامل الفوري مع أي حالات طارئة.
مصلحة الأحوال المدنية والسجل المدني كان لها إسهام فاعل أيضاً عبر ضباطها وأفرادها برفد الخطط الأمنية الميدانية بالكوادر البشرية والتواجد في نقاط الفرز والتفتيش لمساندة الأجهزة التنفيذية. كما سجلت قوات خفر السواحل حضوراً فاعلاً ومتميزاً في تأمين الشريط الساحلي بمحافظة الحديدة والمنافذ القريبة من الساحة المركزية لتأمين ضيوف المناسبة. في حين أدار قطاع الأمن والشرطة بجميع إداراته عمليات الرصد الاستخباري والتحري الميداني، ورفع التنسيق بين غرف العمليات والسيطرة لمكافحة الجريمة ومنع أي محاولات إخلال بالأمن.
روحية رجل الأمن وتعامله القرآني
مثّل النجاح الأمني تجسيداً قيمياً وأخلاقياً لسلوك رجال الأمن في الميدان. وقد لمس المواطنون والوافدون من مختلف المناطق المحيطة بالعاصمة تعاملاً إنسانياً راقياً من أفراد وضباط شرطة المرور، والنجدة، والأمن المركزي، وبقية الوحدات. هذا السلوك الذي عكس المنهجية القرآنية والتوجيهات القيادية في التعاطي مع الجماهير بلغ مستوى متفرداً، تَشَكَّل على إثره تلاحم فريد بين رجل الأمن والمواطن، أذاب أي فجوة تقليدية وجعل من المجتمع سنداً حقيقياً للأجهزة الأمنية، حيث تعاون المواطنون واللجان التنظيمية التابعة للتعبئة العامة بشكل كامل مع التوجيهات والإجراءات الأمنية والمرورية، ما أثبت أن الوعي المجتمعي والالتزام الشعبي يمثلان بالفعل الركيزة الأساسية لإنجاح مثل هذه الملاحم المليونية.
شكر وتقدير
النجاح المميز لرجال الأمن عكسه وزير الداخلية اللواء المجاهد عبدالكريم أمير الدين الحوثي في رسالة شكر وتقدير معبرة وجهها إلى الأجهزة والوحدات الأمنية والعسكرية، واللجان التنظيمية التي أسهمت في إنجاح هذا الحدث التاريخي. وفي رسالته أكد وزير الداخلية بأن ما تحقق هو انتصار كبير يحسب للشعب اليمني وللمؤسسة الأمنية والعسكرية، مشيداً بالوعي العالي لشعب الإيمان والحكمة المحتشد في كل الساحات، وثمّن التعاون الملموس الذي أبداه المواطنون مع رجال الأمن، مؤكداً أن الجهود المباركة لمنتسبي الوزارة في مختلف القطاعات والإدارات العامة والوحدات الأمنية وسهرهم المتواصل أثمر هذا النجاح العظيم.
درس في الإدارة الأمنية والسيادة الوطنية
ما حققته وزارة الداخلية اليمنية في تأمين الفعالية المليونية لذكرى المولد النبوي الشريف لعام 1448 مثّل ملحمة أمنية وتنظيمية بامتياز، ودرساً متقدماً في كيفية إدارة التجمعات البشرية الضخمة في ظل ظروف استثنائية وتحديات عدوانية. وأثبت رجال وزارة الداخلية كيف أنهم بالفعل يمثلون بانضباطهم القرآني الراقي السور المنيع والعين الساهرة على أمن الوطن وسلامة أبنائه. كما كان هذا النجاح المتميز بمثابة شهادة ناصعة على تطور المؤسسة الأمنية، واكتسابها لخبرات واقتدار ووعي متزايد أتاح لها التعامل مع أعقد المواقف بكفاءة واقتدار. وهو إلى جانب كل ذلك رسالة للعالم أجمع بأن اليمن القوي قادر على التحدي، وصنع المعجزات، وحماية أمنه واستقراره بقوة إيمانية، وبسالة أمنية، ورابطة شعبية وثيقة تتكامل فيها أجهزة الدولة مع أبناء المجتمع تحت راية الرسول الأعظم.
نقلا عن موقع أنصار الله
Comments are closed.