سري للغاية .. لماذا اصبح غزو الساحل الغربي مغامرة وانتحار عسكري كامل؟؟
سري للغاية .. لماذا اصبح غزو الساحل الغربي مغامرة وانتحار عسكري كامل؟؟
يمني برس | محسن الشامي
سري للغاية جحيم المندب وبوابات السعير: لماذا تُعدّ أي مغامرة برية لغزو الساحل اليمني انتحاراً عسكرياً كاملاً؟
أولاً: التحول الاستراتيجي.. من الشتات إلى هيئة أركان منظمة وشبكات سيبرانية معقدة
لم يعد الجيش في صنعاء مجرد تشكيلات تقليدية أو مجموعات خفيفة الحركة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى مؤسسة عسكرية صارمة التنظيم، تمتلك غرفة عمليات مشتركة وإدارة قيادة وسيادة سيبرانية متطورة.
إن التحول الأبرز والأكثر خطورة يكمن في البنية التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات؛ حيث تعتمد القوات المسلحة اليوم على شبكات اتصالات مشفرة متعددة الطبقات (مزيج من الألياف الضوئية الممتدة تحت الأرض، والأنظمة التكتيكية الموجهة غير القابلة للتشويش)، مما يجعل شلّ حركة القيادة والسيطرة عبر الحرب الإلكترونية الغربية أمراً شبه مستحيل.
لقد استوعبت صنعاء دروس معارك الساحل الغربي لعام 2017 بحرفية عالية؛ فلم تكتفِ بتعزيز خطوط الدفاع، بل أعادت صياغة عقيدتها القتالية بالكامل. تم بناء قاعدة بيانات ومعلوماتية شاملة ترصد كافة التحركات في البحر الأحمر وباب المندب، مستفيدة من التقاطعات الاستخباراتية وشبكات الرصد الميداني والراداري المُدمجة، للوصول إلى جاهزية عملياتية لا تنتظر الهجوم، بل تتنبأ به وتستهدفه في مهدِه.
ثانياً: التضاريس القاتلة.. الجغرافيا حين تتحول إلى حليف عسكري مرعب
إن أي قوة تفكر في التوغل البري أو تنفيذ عمليات إنزال على طول الساحل الغربي ستجد نفسها محاصرة بين فكي كماشة: الممر المائي الضيق من جهة، والمسرح الجبلي الشاهق والحاكم من جهة أخرى.
تُشرف على الساحل الغربي وباب المندب سلسلة جبلية استراتيجية شاقة ومحصنة طبيعياً، تم توزيعها كعقَد دفاعية ونارية محكمة:
-جبال كاهبوب (شمال وغرب باب المندب – تعز/لحج): الحاكم المباشر والنقطة الحاكمة الممتدة نحو رأس العارة وباب المندب.
-جبال حوزان (قرب باب المندب والذباب): التي تمثل حائط الصد الأول والخط الناري المباشر المطل على خطوط الإنزال البحري والشريط الساحلي لمديرية ذباب.
-جبل شمير وجبل ميراب (مديرية مقبنة – غرب تعز): المرتفعات الحاكمة التي تربط الساحل بالعمق الجبلي وتوفر نظرة استطلاعية وتغطية مدفعية واسعة للمحاور الممتدة نحو المخاء.
-جبال دباس (شرق وشمال شرق حيس – جنوب الحديدة): العقدة الدفاعية التي تؤمن خصر الساحل وتمنع أي محاولة للتسلل أو القطع من اتجاه التحيتا وحيس.
-سلسلة جبال جبل رأس وجبال مناح (جنوب شرق الحديدة): الترس الخرساني الطبيعي الذي يربط المحافظات الجبلية بالساحل، بإضافة إلى جبل النار الإستراتيجي
وهذه المرتفعات الحاكم قد تشكل مراكز حشد ناري لا يمكن اختراقه.
هذه الجبال ليست مجرد مرتفعات جغرافية، بل تم تحويلها إلى قلاع عسكرية ومراكز إطلاق محصنة داخل الأنفاق والجرف الصخرية، مما يمنح القوات البرية والمدفعية سيطرة نارية مطلقة (Fire Superiority) على أي قوة تحاول موطئ قدم على الرمال الساحلية. التوغل في هذه المناطق يعني القتال في مربض النار حيث لا توجد منطقة ميتة من التغطية المدفعية والصاروخية.
ثالثاً: ترسانة الأعماق والسواحل.. سلاح البحرية الأتاك والأنظمة الخفية
إذا كانت التغطية النارية فوق الماء قد فرضت حظراً الملاحة، فإن ما خفي تحت الماء هو الكابوس الأكبر للقطع البحرية والبارجات الحربية. تمتلك البحرية اليمنية منظومة ردع متكاملة تشمل:
الغواصات الاستطلاعية وغير المأهولة (AUVs): غواصات صغيرة الحجم، منخفضة البصمة الصوتية والحرارية، تعمل على المسح المستمر لأعماق البحر الأحمر وباب المندب، وتحديد إحداثيات القطع المهاجمة بدقة متناهية دون كشفها.
الغواصات الانقضاضية المتفجرة (Unmanned Suicide Submersibles): زوارق وغواصات مسيرة تحمل رؤوساً شديدة الانفجار تُسيّر تحت سطح الماء لتستهدف الهيكل السفلي للغواصات والمدمرات والغاطس المائي للسفن الحربية، مما يجعل دروع السفن الحديثة وأنظمة نظام “إيجيس” الدفاعي بلا فائدة.
الألغام البحرية الذكية والفتاكة: ألغام قاعية وألغام موجهة تعمل بحساسات مغناطيسية وصوتية متطورة، قادرة على التمييز بين السفن التجارية والقطع العسكرية، ومصممة لشل حرمة السفن الحربية وإغراقها
وزرع ممرات خنق لا يمكن تطهيرها بسهولة.
منظومات الرصد المزدوجة:
رادارات ساحلية وسلبية (Passive Radars) معززة بأجهزة رصد إلكترو-بصرية حرارية تستكشف أي هدف على مسافات نائية في عرض البحر.
رابعاً: انكسار “الهيبة” الامريكية.. دروس من انسحاب حاملات الطائرات
لقد أثبتت المواجهات البحرية الأخيرة فرض سيطرة نارية مطبقة حتى قبل التأمين الكلي للساحل، ونفذت القوات المسلحة عمليات ردع غير مسبوقة ضد التحالف الأمريكي والقطع البحرية التابعة له.
وما انسحاب حاملات الطائرات الأمريكية المتتابعة (مثل آيزنهاور وغيرها) وتراجعها إلى مناطق آمنة خارج نطاق العمليات بعد تعرضها لإصابات وتهديدات مباشرة بالصواريخ الباليستية الفرط صوتية والمسيرات البحرية، إلا إقرار صريح بالنكسة والفشل التشغيلي. لقد أعلن القادة العسكريون الأمريكيون في تصريحاتهم وتعديلاتهم التكتيكية أنهم يخوضون “أشرس معركة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية”، مفصحين عن عجز المنظومات الدفاعية المتقدمة عن استيعاب حجم الهجمات المركبة والمفاجآت التكتيكية التي واجهوها في البحر الأحمر.
خامساً: القوات البرية والتلاحم الشعبي.. “قطعة من جهنم” بانتظار الغزاة
على المستوى البري، تمتلك صنعاء قوات برية مدربة على أعلى المستويات على حرب العصابات والحرب النظامية المركبة. النخبة البرية والقوات الخاصة والوحدات الصاروخية تعتمد على عقيدة السيطرة والكمائن الاستراتيجية.
والأهم من التسليح هو التلاحم الشعبي الهائل؛ حيث لم يعد المجتمع مجرد بيئة حاضنة، بل تحول بالكامل إلى جزء لا يتجزأ من التعبئة العسكرية والجيش. التعبئة العامة، الملايين المدربين في المعسكرات الشعبيّة، والاستعداد العالي للقتال جعل من الساحل بأكمله كتلة واحدة متحركة.
إذا قرر أي تحالف -مهما بلغت قوته وتدجيجه بالتكنولوجيا- إقدام قدمه على رمال الساحل اليمني تحت أي ذريعة، سواء لحماية الملاحة أو غيرها، فلن يجد سوى شريط ملغوم بالصخور والنار. صنعاء لم تعد تعدُّ بالدفاع فقط، بل أعدّت خطة “الابتلاع الكامل”؛ حيث تُعد الشواطئ والجبال والممرات قطعة من جهنم لن يعود منها غازٍ حياً.
خلاصة تحذيرية:
إن القراءة العسكرية الواعية للميدان تؤكد أن أوراق اللعبة قد تغيرت كلياً. الجيش اليمني ليس قوات عادية يمكن إنهاكها بالغارات الجوية، بل هو منظومة عقائدية، متطورة تسليحياً، ومتحصنة بجغرافيا قاتلة وسلاح خفي لم يُكشف عنه بعد. ومن يفكر في مغامرة غزو بري للساحل، إنما يكتب بيده الفصل الأخير من وجود قواته في المنطقة.
Comments are closed.