المنبر الاعلامي الحر

معركة صنعاء السياسية مع الخصوم..!

معركة صنعاء السياسية مع الخصوم..!

يمني برس:

 

يبدو أنه وللمرة الأولى أصبح لدى دول تحالف العدوان على اليمن قراءة أكثر دقة للملف اليمني، مُلخصها أن «صنعاء» أضحت لاعباً هاماً في رسم مستقبل اليمن والمنطقة، وأن فشل تحالف العدوان في تجاوزها كرقم صعب يقتضي بالضرورة كبح جماح انتصاراتها المتلاحقة على مختلف الأصعدة، وتلافي ما يُمكن تلافيه قبل أن تفرض قوات الجيش واللجان الشعبية واقعا جديدا لاسيما بعد استعادتها لمدينة مأرب.

 

وما يؤكد ذلك هو ما تشهده العاصمة العُمانية (مسقط) من حراك سياسي ودبلوماسي غير مسبوق بين الأطراف الرئيسية المعنية بالملف اليمني للتقارب والتفاوض حول ما لدى تلك الأطراف من رُؤى لإحلال السلام في اليمن، وجهود «صنعاء» في تصحيح الفهم القاصر لإحلال السلام في اليمن لدى من يختزله في منع استعادة قوات الجيش واللجان لمأرب، ووقف ضرباتها على الأهداف العسكرية والحيوية في العمق السعودي، كون ذلك لا يعكس سوى حاجة ومصلحة أمريكية ـ سعودية تتقاطع مع مصلحة وحاجة «صنعاء» في الإنهاء الشامل وغير المشروط للعدوان والحصار، كأرضية لبناء الثقة والتفاهمات والشروع في مفاوضات الحل الشامل بما يضمن حقوق ومصالح اليمن وأبنائه أولاً، ولا ينتقص من مصالح الآخرين، وعلى قاعدة «لا ضرر، ولا ضرار».

 

في الوقت الذي تقود الولايات المتحدة ما تسمى جهوداً دبلوماسية لإحلال السلام في اليمن، تستمر في تقديم الدعم للعمليات الهجومية والغارات التي تشنها السعودية على اليمن، في تناقض فاضح لما تعهد به الرئيس الأمريكي بايدن بالعمل على إنهاء دعم بلاده المقدم للسعودية في عملياتها الهجومية على اليمن، إذ يُقر العديد من المسؤولين الأمريكيين بعدم التزام إدارة بايدن بتعهداتها، فالمتحدثة باسم البنتاجون جيسكا ماكنولتي أكدت استمرار تقديم الدعم اللوجستي للقوات الجوية السعودية، وهو الأمر الذي يتجاوز ما تعهد به بايدن بإبقاء عمليات الدعم للدفاع عن السعودية إلى استمرار تقديم الدعم للعمليات الجوية الذي لولاه لما استمرت الغارات الجوية التي لا تُميز بين ما هو مدني وما هو عسكري، ولما تمكنت الرياض من إبقاء حصارها اللاإنساني على المنافذ اليمنية الجوية والبحرية والبرية، وبذلك تُثبت واشنطن مجدداً أن مصالحها مع الرياض تتفوق على أي التزامات أخلاقية أو اعتبارات إنسانية، كما يؤكد ذلك أن واشنطن غير مؤهلة للعب دور الوسيط، وأنها لا يُمكن أن تحتفظ بمسافة واحدة من الأطراف المعنية بإيقاف العدوان وإحلال السلام في اليمن.

 

لا شك أن الحراك السياسي الذي تشهده مسقط لإيقاف العدوان على اليمن وإحلال السلام قد قطع شوطاً جيداً في الاتجاه الصحيح، كما أن معطيات هذا الحراك تُشير إلى وجود ثلاثة أطراف رئيسية معنية بالحل، هي «صنعاء» والرياض وواشنطن، وهذه الأطراف يُمكن تسميتها بأطراف «الحسم»، بالإضافة لأطراف أخرى تقوم بأدوار ومساع حميدة كعُمان وإيران والأمم المتحدة، كما أن طبيعة هذا الحراك تعكس حقيقة اختزال الملف اليمني في الأبعاد والأدوار الإقليمية، وتحديداً الدور السعودي والإماراتي الذي ينسحب على كل الأطراف اليمنية التابعة لهما، بخلاف الدور الإيراني الذي أثبتت «صنعاء» أنه غير حاسم، ولكنه مُفيد، وداعم لمواقفها ومطالبها المشروعة.

 

بات الجميع يُدرك أن متطلبات وقف العدوان وإحلال السلام في اليمن ترتبط بشكل رئيسي بالرياض و»صنعاء»، فكل طرف له مطالب لدى الطرف الآخر، إذ تُطالب «صنعاء» الرياض التي تقود تحالف العدوان على اليمن بإنهاء العدوان ورفع الحصار، وتحمل مسؤولية الجرائم التي اقترفتها بحق اليمن وأبنائه، فيما تتمثل مطالب الرياض بوقف قوات الجيش واللجان لضرباتها الباليستية وبالطيران المسير على العمق الحيوي السعودي، بالإضافة لضمان أمن حدود المملكة الذي يشمل وقف قوات الجيش واللجان عمليات التوغل البري في الأراضي السعودية.

 

تُدرك «صنعاء» أن عدالة قضيتها، ورهان الصمود هو الذي فرض الاعتراف الدولي بثقلها ودورها كلاعب لا يُمكن تجاوزه، كما فرض الدعوات الاضطرارية للسلام المُعبر عن فشل العدوان على اليمن، الأمر الذي أجبر واشنطن والرياض على مراجعة سياساتهما ومواقفهما، والنزول من على الشجرة، مع تزايد قناعات الرياض بمزيد من التوجه نحو رفع اليد عن مرتزقتها من الأطراف اليمنية، والتقارب مع «صنعاء» كخيار وحيد يؤدي لأقصر الطرق لمغادرة مستنقعها في اليمن بعد 6 سنوات من الفشل والاستنزاف العسكري والسياسي والاقتصادي.

 

فيما يبدو أن على الإمارات الاستعداد لتلقي ضربات صنعاء الباليستية الموجعة في عمقها الحيوي أو في الجزر اليمنية التي تحتلها، فـ»صنعاء» تؤكد أنها لن تسمح بأي تواجد أجنبي على تلك الجُزر تحت أي ذرائع أو هواجس دولية، وستظل محتفظة بحق السيادة عليها، والمُتحكم بمضيق باب المندب، بالإضافة لكونها الضامن لحرية الملاحة الدولية وحق المرور البريء للسفن، وانطلاقاً من ذلك فعلى أبوظبي أخذ التحذيرات الصادرة مؤخراً من «صنعاء» على محمل الجد، وتحمل تبعات حماقاتها إذا لم توقف انتهاكاتها لسيادة الجُزر اليمنية. 

 

ختاماً، فالمعركة التي تخوضها قوات الجيش واللجان هي معركة النفس الطويل، وما استعادة مأرب إلا معركة جزئية ستُسهم في إضعاف ما تبقى من أوراق عسكرية وسياسية بيد تحالف العدوان، لذا تُراهن واشنطن والرياض على عدم قدرة قوات الجيش واللجان على حسم معركة مأرب، وأن ذلك سيفرض عليها ضغوطاً دولية أكبر للقبول بالسلام وفق رؤى الخصوم، بما فيها الانصياع للقرار المُزمع صدوره عن مجلس الأمن الدولي الذي من المُتوقع أن يسعى لتثبيت معادلة الوضع المستقبلي بصيغة تفرض الرؤى (الأمريكية ـ السعودية ـ البريطانية) لمتطلبات التسوية السياسية وإنهاء الحرب.

 

فيما تُراهن «صنعاء» على مزيد من الصمود والانتصارات في إطار سياسة الصبر الاستراتيجي التي حولت رهانات تحالف العدوان وآلته العسكرية الحديثة، وجحافل مُرتزقته إلى سقوط وهزيمة مدوية، كما لن تقبل «صنعاء» بالسلام المنقوص تحت وطأة تطلعاتها لإنهاء العدوان والحصار أو تحت وطأة الضغوط الدولية، ولن يُرضيها إلا تحقيق نصر سياسي يُتوج النصر العسكري، ويحصد ثمار الصمود والتضحيات الجليلة، وينتصر لدماء الشهداء الزكية، ليكون سر النصر في ما يمتلكه اليمن وأبناؤه من إرث حضاري وثقافي مُمتد عبر التاريخ، ورصيد إيماني وأخلاقي ومعنوي نجح في الدفاع عن قضية عادلة، وتفوق على أولئك الطارئين على التاريخ والمنطقة، وما يمتلكونه من ثقافة إجرامية وسقوط إنساني وأخلاقي.

 

*السفير محمد محمد السادة – نائب رئيس دائرة المنظمات والمؤتمرات الدولية بوزارة الخارجية اليمنية