المنبر الاعلامي الحر

ابن ملجم بين الأمس واليوم ..؟!

ابن ملجم بين الأمس واليوم ..؟!

يمني برس- بقلم د. حمود عبدالله الأهنومي

ستركز هذه المقالة على عبدالرحمن بن ملجم باعتباره الأداة التكفيرية للفكر التدميري الذي نفذ عملية عنيفة استباح بها حرمة المسلم في مسجد (دار عبادة)، وباعتباره النموذج المتكرر لهذه الجماعات العنيفة التي تدعي الجهاد حتى عصرنا الحاضر، وهو النموذج الذي اختطف مشهد العالم الإسلامي إلى الخراب والدمار والقتل والدماء والأشلاء، مع مقارنة بأتباعه الملجميين اليوم.

 

خمول الذكر وضآلة النسب

هو عبدالرحمن المرادي بالولاء، ومراد فرع من مذحج القبيلة اليمانية المعروفة، لكنه تجوبي الأصل، وتجوب من حمير، وقيل من السكون من كندة، أدرك الجاهلية، وقدم مصر، وهذا يشير إلى أن التكفير لا وطن له ولا قبيلة محددة، وأن أدوات التكفير والقتل غير معروفة بشكل واسع حتى قيامها بعمليتها العنيفة، ولولا أنه قتل الإمام عليا عليه السلام لما عرفه أحد، ولكن بضدها تتميز الأشياء، قال الإمام علي: “إنما يقتلني رجل خامل الذكر، ضئيل النسب، غيلة في غير مأقط حرب، ولا معركة رجال”، هكذا وصفه الإمام علي بخمول الذكر وضآلة النسب، وإذا كان زعماء الخوارج ومعظمهم في صدر الإسلام ينتمون إلى منطقة نجد (منطقة قرن الشيطان) وهم ممن استقر بهم النوى في العراق وتعلموا بعض أمور التدين فيها على يد بعض الصحابة، فإن هذا العنصر جاء من خارج هذه المنطقة التقليدية للتكفيريين في صدر الإسلام، لكنه كان متأثرا بأفكارهم، كما هو حال اليوم فإن المتأثرين بفكر (قرن الشيطان) من أهالي البلدان الأخرى يعتبرون قلة بالنسبة للخريجين من مملكة قرن الشيطان، هناك مثلا تكفيريون من اليمن، ولكنهم تأثروا وتعلموا ودرسوا على يد شيوخ التكفير في نجد حيث مملكة قرن الشيطان ومدارسها وجامعاتها.

نجهل كثيرا ظروف نشأته وتربيته، وهو غير معروف كثيرا، وربما يشاطره في هذا الأمر كثير من أدوات التكفير العنيفة اليوم، حيث كثير من هذه الأدوات التي تنفذ عمليات التفجير والتفخيخ والانتحار ليست معروفة للكثير، أو لها تاريخ غير مشرف من الانحراف.

 

2) دور اليهود؟!

ومع ذلك فإن هناك علاقة لابن ملجم باليهود، يورد المؤرخ ابن أعثم الكوفي رواية خطيرة، تفيد أن عبدالرحمن تربّى على يد يهودية، يقول: «.. وقدم علي كرم الله وجهه من سفره، واستقبله الناس، يهنئونه بظفره بـ«الخوارج»، ودخل إلى المسجد الأعظم، فصلى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر، فخطب خطبة حسنة. ثم التفت إلى ابنه الحسين، فقال: يا أبا عبد الله، كم بقي من شهرنا هذا، يعني شهر رمضان الذي هم فيه. فقال الحسين: سبع عشرة يا أمير المؤمنين. قال: فضرب بيده إلى لحيته، وهي يومئذٍ بيضاء، وقال: والله ليخضبنّها بالدم، إذا انبعث أشقاها.

قال: ثم جعل يقول:

خليلي من عذيري من مراد … أريد حياته ويريد قتلي

فسمع ابن ملجم لعنه الله؛ فكأنه وقع بقلبه شيء من ذلك؛ فجاء حتى وقف بين يدي علي (رض) فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، فهذه يميني وشمالي بين يديك، فاقطعهما، أو اقتلني. فقال علي كرم الله وجهه: وكيف أقتلك، ولا ذنب لك عندي، إني لم أردك بذلك المثل. ولكن خبرني النبي (صلى الله عليه وآله): أن قاتلي رجل من مراد، ولو أعلم أنك قاتلي لقتلتك ، ولكن هل كان لك لقب في صغرك؟

فقال: لا أعرف ذلك يا أمير المؤمنين.

قال علي: فهل لك حاضنة يهودية، فقالت لك يوماً من الأيام: يا شقيق عاقر ناقة صالح؟!

قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين.

قال: فسكت علي، وركب، وصار إلى منزله».

وهناك رواية عن جوين الحضرمي، قال: عرض [على] علي الخيل، فمر عليه ابن ملجم، فسأله عن اسمه، أو قال: [عن] نسبه ـ فانتهى إلى غير أبيه.

فقال له: كذبت.

حتى انتسب إلى أبيه، فقال: “صدقت. أما إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حدثني: أن قاتلي شبه اليهود!!! هو يهودي، فامضه”.

إن هذا يمكن أن يسوق إلى شيء خطير، وهو علاقة عبدالرحمن باليهود، من حيث أن حاضنته يهودية، وشبهه الإمام علي باليهود، أو أنه يهودي، وفي الوقت الحاضر يجب أن نتساءل: هل على كل جماعات التكفير عبر التاريخ أن تكون لها علاقة باليهود ومؤامراتهم الكثيرة ضد الإسلام والمسلمين حتى يسلكوا هذا المسلك التدميري، وتدمير المجتمعات شأن يهودي، ولم يعد خافيا علاقة هذه الحركات التكفيرية باليهود، وقبل أيام شاهدتم ذلك الصحافي الإسرائيلي وهو يكشف عن مئات الجرحى من جبهة النصرة التكفيرية يعالجون في المشافي الصهيونية، واعترض بعض سيارات الإسعاف شباب دروز، وحدث مشكل بين زعماء الدروز وأولئك الشباب، ومعروف كيف شاركت المخابرات التكفيرية في صناعة القاعدة ضد السوفيت، ثم رعايتهم لداعش في العراق وسوريا اليوم.

 

3) مدرّس للقرآن في حضرة ابن العاص

كان ابن ملجم يظهر الاهتمام بالدين والقرآن، شأنه في ذلك شأن التكفيريين اليوم حيث يبدؤون دورة حياتهم بالقرآن والسنة، وتحفيظهما وتعليمهما، وينتهون بالتفجير والتفخيخ، ولا بد من الاعتراف أن كثيرا ما حدث أن قضى التكفيري مراحل نشأته وأدائه الأول في ظل حكومة منحرفة، وتتمثل هنا في ولاية عمرو بن العاص، تماما كما يتربون وينشأون ويتكاثرون في مملكة قرن الشيطان، ثم يتم توزيعهم على بلدان العالم.

روى الذهبي (لسان الميزان) قائلا: “يقال إن عمرو بن العاص أمره بالنزول بالقرب منه، لأنه كان من قراء القرآن، وكان قرأ على معاذ بن جبل وكان من العباد، ويقال إنه كان أرسل ضبيع بن عسل إلى عمر يسأل عن مشكل القرآن. وقيل: إن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص أن قرِّب دار عبد الرحمن بن ملجم من المسجد ليعلِّم الناس والقرآن والفقه فوسَّع له”.

هل تلاحظون انسجام التكفيريين الذين ينفذون الجرائم بحق المسلمين الآمنين اليوم مع طواغيت بلدانهم، كم توجد من المدارس والمراكز والجامعات ومراكز الدراسات التي تضم بين جنباتها عشرات الآلاف من التكفيريين في بلد مثل السعودية التي تؤدي مع التكفيريين اليوم دور معاوية وعمرو بن العاص مع التكفيريين الأوائل.

ثم أيضا ما مدى علاقة هذا التشجيع من عمرو بن العاص لمثل هذا العنصر لتعليم القرآن والفقه على حد زعمه بتأهيله للقيام بالدور المناط به في آخر الأمر، ألا يشابه هذا الدور ما تقوم به السعودية داعش الكبرى من تشجيع ودعم للفكر التكفيري المدمِّر (داعش الصغرى) في مرحلة التغرير ومرحلة التكفير (مرحلتي الإعداد)، لتأهيلهم للدور النهائي في مرحلة التفخيخ والتفجير (مرحلة التنفيذ)؟

التاريخ يجيبنا، نعم لعله كذلك.

قد يعجبك ايضا
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com