خطاب سيد الأنصار بيوم القدس: التذكير بالمؤامرة والتحشيد للمواجهة
يمني برس || مقالات رأي:
تشكّل يوم القدس العالمي محطة مهمة للقوى في المنطقة لطرح رؤية أوسع للصراع في الشرق الأوسط، وليس مجرد فعالية تضامنية مع القضية الفلسطينية. وفي هذا السياق جاء خطاب سيد الأنصار عبد الملك الحوثي هذا العام، حاملاً مجموعة من الرسائل السياسية والاستراتيجية التي تتجاوز الإطار الديني أو التضامني التقليدي.
الخطاب لم يقتصر على استحضار رمزية القدس أو التنديد بالانتهاكات الصهيونية بل سعى إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع في المنطقة.. وإلى تثبيت موقع اليمن في معادلة المواجهة الإقليمية.
أبرز ما يمكن ملاحظته في الخطاب هو محاولة توسيع إطار الصراع مع كيان الاحتلال من كونه نزاعاً سياسياً على أرض أو حقوق قومية إلى كونه صراعاً أوسع ذي أبعاد حضارية وعقائدية. هذا النوع من التأطير يهدف إلى تحويل القضية الفلسطينية من مسألة جغرافية محدودة إلى قضية تتعلق بمستقبل المنطقة والأمة الإسلامية بأكملها.
بهذا الطرح، يصبح الصراع – وفق خطاب سيد الانصار – غير محصور في الأراضي الفلسطينية.. بل يمتد إلى ساحات متعددة في الإقليم وهو ما يمنح شرعية سياسية وأيديولوجية لأي تحركات مرتبطة به خارج الجغرافيا الفلسطينية.
رسالة أخرى بارزة في الخطاب تتمثل في السعي إلى تقديم اليمن كفاعل رئيسي في ما يُعرف بمحور المواجهة مع كيان الاحتلال.. ففي السياق الخطابي، لا يتم تصوير اليمن كدولة هامشية تعيش صراعاً داخلياً بل كجزء من جبهة إقليمية أوسع تضم قوى متعددة في المنطقة.
هذا التقديم يسعى إلى نقل صورة اليمن من بلد غارق في أزماته الداخلية إلى لاعب مشارك في معركة إقليمية كبرى. كما يهدف إلى تعزيز المكانة السياسية لليمن داخلياً وخارجياً، عبر ربط دورها بقضية تحظى بحضور واسع في الوعي الشعبي العربي والإسلامي.
لم يخلُ الخطاب أيضاً من إشارات نقدية إلى مواقف بعض الحكومات العربية من القضية الفلسطينية، خصوصاً في ظل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
في هذا السياق يتم تقديم الصراع باعتباره اختباراً أخلاقياً وسياسياً لمواقف الدول..
وهذا النوع من الخطاب يؤدي وظيفة مزدوجة .. فمن جهة يضع تلك الحكومات في موضع مساءلة أمام الرأي العام العربي، ومن جهة أخرى يسعى إلى تقديم الخطاب باعتباره أكثر التزاماً بخط المقاومة مقارنة بغيره من الفاعلين السياسيين في المنطقة.
إلى جانب الرسائل الإقليمية، يحمل خطاب سيد الانصار بعداً داخلياً واضحاً يتمثل في تعزيز حالة التعبئة السياسية والشعبية داخل اليمن.. إذ يتم تقديم القضية الفلسطينية كجزء من معركة تاريخية طويلة، وليس مجرد حدث مرتبط بظرف سياسي معين.
هذه السردية تساعد على بناء شعور بالانتماء إلى صراع أكبر، ما يساهم في تعزيز التماسك الداخلي وإبقاء المجتمع في حالة تعبئة مستمرة حول خطاب المقاومة.
كما تضمّن الخطاب إشارات واضحة إلى دور الولايات المتحدة في دعم حكومة الاحتلال ، وهي إشارات تحمل في طياتها رسائل ردع سياسية.. فالانتقاد الحاد للسياسات الأمريكية لا يهدف فقط إلى توصيف الواقع السياسي، بل أيضاً إلى إيصال رسالة بأن أي مواجهة مع الاحتلال الصهيوني قد تكون جزءاً من صراع أوسع
في الأدبيات السياسية يُنظر إلى هذا النوع من الخطاب بوصفه جزءاً من استراتيجية الردع الإعلامي، حيث يتم استخدام المنابر الخطابية لإيصال مواقف سياسية حازمة قبل الدخول المباشر في مواجهة عسكرية.
في المحصلة، يظهر خطاب يوم القدس لدى سيد الأنصار عبد الملك الحوثي بوصفه خطاباً متعدد الوظائف، يجمع بين البعد الديني والتعبوي والسياسي.. فهو من جهة يعيد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في الخطاب الأيديولوجي لليمنيين، ومن جهة أخرى يسعى إلى إعادة صياغة دور اليمن في المشهد الإقليمي.
وبين هذين البعدين يتحول الخطاب إلى أداة سياسية تهدف إلى رسم الصورة المتكاملة للصراع، تعبئة الداخل، ومخاطبة الإقليم، وترسل في الوقت ذاته رسائل إلى القوى الدولية الفاعلة في المنطقة للقيام بدورها قبل فوات الأوان..
بقلم/عبدالرحمن المحمدي*
Comments are closed.