أُعِدَّت للمتقين.. الإنفاقُ شرطُ التقوى ومنتهى الإحسان
أُعِدَّت للمتقين.. الإنفاقُ شرطُ التقوى ومنتهى الإحسان
يمني برس | بقلم | إبراهيم الهمداني
دعا الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين، وحثهم وحضهم ورغَّبهم، في المسارعة إلى “مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض”، وهو أُسلُـوب بلاغي بديع، غاية في التشويق والإثارة وجذب الانتباه، حَيثُ تم الإعلان عن فتح باب التنافس، في مسابقة قائمة (وسارعوا)، بتوجيه عموم الخطاب للجميع، وخلافًا للمتوقع السائد، لم يقم الخطاب بتعريف المتسابقين، بماهية وطبيعة تلك المسابقة، وإنما تلى الدعوة بالمسارعة مباشرة، الإعلان عن ماهية وقيمة الجائزة، (مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض)، ثم أعقبه بيان تحديد نوعية معينة، من المتسابقين المرشحين للفوز (أعدت للمتقين)، ونظرا لعظمة قيمة الجائزة العالية جِـدًّا، مقابل ما تبدو عليه المسابقة من السهولة والبساطة، يبرز تساؤل استفهامي مفاده: من هم هؤلاء المتقون، الذي أعدت لهم هذه الجائزة؟، وما هي مواصفاتهم؟؛ بحيث يعرف كُـلّ متسابق، مدى انطباقها عليه وإمْكَانية فوزه؟!.
ولكي يكون الإنسان من المتقين/ الفائزين، يجب أن تتوفر فيه عدة شروط، نصت عليها الآية الكريمة، في قوله تعالى: “الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين”، حَيثُ يتصدر الإنفاق في الشدة والرخاء، قائمة الشروط المحقّقة للتقوى، التي تؤهل حامليها للفوز بالجائزة العظمى، واستحقاق الحصول على شرف اللقب (المحسنين)، في مقام القرب والحب من الله تعالى؛ وفي هذا السياق، يقول فقيه القرآن العالم الرباني، السيد المجاهد/ بدرالدين بن أمير الدين الحوثي رضوان الله عليه: “فهذه درجة المحسنين، ولن يبلغ هذه الدرجة إلا الأخيار، كما قال الشاعر:
ذريني أنل ما لا ينـال من العُلَى
فصعب العُلَى في الصعب والسهل في السهل
والمقصود بهم: المؤمنون، ولذلك قال في آخرها: (والله يحب المحسنين)، التاركين لما يحبط الأعمال ويمنع قبولها، فالصفات المذكورة عناوين لفضلهم، وعلامات لكمالهم.
وَ (السراء) حال السرور بسعة الرزق (والضراء) حال الإقلال والحاجة، فهم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنفسهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:9] والمراد الإنفاق في وجوه الخير المقربة إلى الله، [… إلى أن يقول] (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وهؤلاء منهم، فما أعظم شأنهم وأسعد حالهم في الآخرة”.
هكذا يصبح الإنفاق في جميع الأحوال، وفي مختلف وجوه البر والإحسان، فاتحة مضمار السباق والمسارعة، وأول صفات وشروط المتقين المستحقين للفوز، وبمقدار ما يعكس الإنفاق مصداق التقوى، فهو يقود إلى ذروة الإحسان، ونيل الجائزة الإضافية (والله يحب المحسنين)، بعد نفي شح النفس عن ذلك المنفق، ليصل إلى مرتبة الفلاح، “ومن يوق شح نفسه فأُولئك هم المفلحون”، وتلك هي أصدق تجليات كرم الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده، حَيثُ يفتح لهم بابا من أبواب الخير، ويضع أمامه ألف درجة من الثواب الجزيل، والعطاء العظيم والأجر المضاعف، وما ذلك بنكر من كرمه، ولا حاجة منه إليه، فهو الغني الحميد، وإنما هو من رحمته بنا وتفضُّلَه علينا، بإرشادنا إلى ما يصرف عنا عذابه، ويوجب لنا رحمته ورضوانه.
Comments are closed.