المنبر الاعلامي الحر

مطار صنعاء ومضيق باب المندب: حين تكون المعاملة بالمثل جريمة دولية

مطار صنعاء ومضيق باب المندب: حين تكون المعاملة بالمثل جريمة دولية

يمني برس | بقلم د. مازن أحمد غانم
في مشهدٍ مؤلمٍ يعيد نفسه، يتساءل اليمنيون: ماذا لو عُومل مضيق باب المندب بنفس المنطق الذي عُومل به مطار صنعاء الدولي؟..مطار صنعاء، ذلك المرفق الحيوي الذي كان شريان حياة لملايين اليمنيين، تحول إلى رمزٍ للحصار والمعاناة.

فمنذ سنوات، يواجه إغلاقاً شبه كامل أمام الرحلات التجارية والإنسانية، وبينما يفتك الموت بالمرضى، يعاني آخرون من حرمانهم حق السفر للعلاج، ويفقد الأب قدرته على احتضان ابنه العائد من الغربة، وتفقد الأمهات أطفالهنَّ لأنهم لم يستطيعوا الوصول إلى دواءٍ موجود خلف أسوار المدينة المحاصرة.

إنه حصارٌ لا تُستخدم فيه الطائرات الحربية فحسب، بل تُوظف فيه الأوراق البيروقراطية والقرارات السياسية كأسلحة فتاكة. وفي الوقت الذي يكفل فيه القانون الدولي حرية الملاحة الجوية والبحرية، نواجه تناقضاً عجيباً في تطبيق هذه المعايير على أرض الواقع؛ فالحق في الملاحة الجوية لا يقل قانونيةً عن الحق في الملاحة البحرية، ومع ذلك يتم القفز فوق هذه الثوابت القانونية بدمٍ بارد.

والسؤال الأهم: لو أن اليمن تعامل مع مضيق باب المندب بنفس المنطق —أي إغلاقه أمام السفن التجارية والإنسانية ومنع الملاحة الدولية تحت ذرائع سياسية أو أمنية— فماذا سيكون رد فعل العالم؟

بالتأكيد، سترتفع أصوات دولية تصف ذلك بـ “التهديد للأمن البحري العالمي”، و”تعطيل حرية الملاحة”، و”الإرهاب البحري”، وستتحرك الأساطيل العسكرية لحماية المصالح التجارية الكبرى.

وليس علينا سوى التذكير بما تجرعته المنطقة ودول العالم أجمع من مرارة ومآسٍ خلال أحداث حرب الشرق الأوسط 2026؛ حين أُغلق مضيق هرمز فعلياً وتوقفت معظم المطارات عن العمل، فاهتزت أركان الاقتصاد العالمي وعاش المواطنون في كل مكان لحظات من الشلل التام والخوف. لقد رأينا كيف استنفر العالم بأسره لفك هذا الخناق، معتبراً إغلاق الممرات المائية والمطارات خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

لكن الغريب أن نفس المنطق لا يُطبق عندما يتعلق الأمر بمعاناة شعبٍ كاملٍ محاصرٍ في مطاره وموانئه وطرقاته. العالم يتحرك لحماية السفن من أي تهديدات في خليج عدن، لكنه يقف متفرجاً على أطراف تستخدم القيود كأداة ضغط، تمنع حتى طائرة إسعاف من الهبوط في مطار صنعاء.

وهنا يبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه على طاولة المجتمع الدولي: ماذا لو قررت اليمن استخدام أوراق القوة التي تملكها، ولوحت بالتعامل مع مضيق باب المندب بنفس المنطق الذي يُعامل به مطار صنعاء لرفع الحصار المفروض عليها؟ هل سيُهرع العالم حينها للاستجابة للمطالب الإنسانية اليمنية خوفاً على مصالحه، كما فعل حين تعطلت الملاحة في ممرات أخرى؟ أم سيبقى منطق القوة هو اللغة الوحيدة التي يفهمها نظام دولي لا يرى في إغلاق المطارات جريمة إلا إذا توقفت معها مصالح الكبار؟

إن المأساة تكمن في أن اليمنيين لا يطلبون الكثير؛ فقط حقهم في الحركة والسفر والعلاج والتجارة. فإذا كان العالم يعتبر إغلاق مضيق باب المندب جريمة بحق التجارة العالمية، فكيف لا يرى في إغلاق مطار صنعاء الدولي جريمة بحق الإنسانية؟

*دكتوراه اقتصاد وإدارة مؤسسات الطيران

Comments are closed.