المنبر الاعلامي الحر

اليمن يمدّ طوق الحصار إلى قناة السويس.. والعمق السعودي تحت نيران الردع

اليمن يمدّ طوق الحصار إلى قناة السويس.. والعمق السعودي تحت نيران الردع

يمني برس | تقارير
في مطلع يوليو من عام 2026، أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن دخول مرحلة استراتيجية جديدة في مواجهة الحصار السعودي المفروض على البلاد منذ اثني عشر عاماً. كان الإعلان عن معادلة “الحصار بالحصار ” أشبه بخريطة طريق عسكرية شاملة، تُركت تفاصيلها التنفيذية للميدان، لكن ثوابتها كانت واضحة: فرض حصار بري وبحري وجوي مضاد على النظام السعودي، ما لم يستجب للمطالب اليمنية المحقة، وخلال أيام قليلة، تحولت هذه الاستراتيجية إلى واقع ملموس، أربك الحسابات السعودية والدولية، وأثبت أن اليمن أصبح طرفاً فاعلاً يمتلك زمام المبادرة، ويفرض إيقاعه على مسرح العمليات الإقليمي برمته، وما على النظام السعودي سوى الانصياع لحقوق الشعب اليمني المشروعة والمحقة.

أولا: تثبيت معادلة “الحصار بالحصار”.. من البحر إلى ما وراءه

انطلقت معادلة “الحصار بالحصار” من البحر، الذي يشكل شريان الاقتصاد السعودي وبوابته على العالم، ففي غضون أربعة عشر يوماً فقط من إعلان الحظر البحري على الملاحة السعودية في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، تمكنت القوات المسلحة اليمنية من استهداف ثماني سفن نفطية سعودية، وإجبار تسع وعشرين سفينة أخرى على التراجع والمغادرة، وهذا الإنجاز الميداني مثّل فرضاً كاملاً للحظر البحري على النفط السعودي في الممر المائي الحيوي الذي لطالما اعتقدت الرياض أنه تحت سيطرتها المطلقة.
لم تقف الأمور عند هذا الحد، فعندما حاول العدو السعودي الالتفاف على الحصار بتحويل مسار سفنه النفطية نحو شمال البحر الأحمر باتجاه قناة السويس والالتفاف عبر إفريقيا ورأس الرجاء الصالح، جاء الرد اليمني سريعاً وحاسماً. أعلنت القوات المسلحة توسيع نطاق الحظر البحري ليشمل شمال البحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس، وأردفت الإعلان بتنفيذ عملية نوعية استهدفت سفينة “وفاء” النفطية السعودية قبالة منطقة ينبع بعدد من الصواريخ الباليستية، كانت الإصابة فيها دقيقة. كانت هذه الضربة رسالة لا تقبل التأويل بأن لا ملاذ آمناً للنفط السعودي في البحر الأحمر، وأن القوات المسلحة اليمنية قادرة بعون الله على إطباق الحصار من باب المندب جنوباً إلى المدخل الشمالي للقناة.
هذا التطور الاستراتيجي مثّل نقلة نوعية في مفهوم الردع اليمني، إذ لم يعد الحظر مقتصراً على بقعة جغرافية ضيقة، بل تحول إلى طوق بحري كامل يخنق منافذ التصدير السعودية على امتداد البحر الأحمر، ويغلق الباب أمام أي محاولة للتحايل أو الالتفاف. والأهم من ذلك، أن القوات المسلحة أكدت قدرتها على ملاحقة السفن السعودية أينما كانت، استناداً إلى الخبرات المتراكمة خلال معركة إسناد غزة، والتي استهدفت فيها أكثر من 228 سفينة مرتبطة بالعدو الإسرائيلي دون أي خطأ في تحديد الهوية، مما يعني أن محاولات التخفي أو تغيير المسارات أو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح لن تكون كافية للإفلات من العقاب.

ثانياً: الردع الاستراتيجي.. ضربات موجعة في العمق السعودي

بالتوازي مع تشديد الحصار البحري، عملت القوات المسلحة اليمنية على تثبيت معادلة ردع صارمة على الجبهة البرية والجوية، مفادها أن أي عدوان على اليمن أو خرق لأجوائه سيقابله رد موجع في العمق السعودي، وقد تجسدت هذه المعادلة في سلسلة من العمليات النوعية التي استهدفت بنى تحتية حيوية وأهدافاً حساسة داخل المملكة (أرامكو جيزان، ينبع، بقيق، مطاري أبها ونجران).
ففي الخامس والعشرين من يوليو، وبعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الحظر البحري، أقدم العدو السعودي على استهداف محافظة الحديدة وجزيرة كمران بعدة غارات جوية. الرد اليمني لم يتأخر، وجاء على شكل عمليتين عسكريتين هزتا أركان الاقتصاد السعودي:
العملية الأولى: استهداف منشآت أرامكو في جيزان بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، في أكبر عملية من نوعها. استمرت الحرائق في المنشأة لأربعة أيام كاملة، وأظهرت صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الهائل، والأهم أن السعودية اضطرت إلى إعلان إيقاف ضخ النفط من المنشأة التي كانت تنتج أكثر من 400 ألف برميل يومياً.
العملية الثانية: استهداف أهداف حساسة تابعة لأرامكو في ينبع بعدد من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة. اندلعت حرائق هائلة التقطتها عدسات الأقمار الصناعية، وتكبد العدو خسائر فادحة في واحدة من أهم منشآته النفطية على البحر الأحمر.
ولم تكن هذه العمليات الأولى من نوعها، فعندما استهدف العدو السعودي مطار صنعاء الدولي في محاولة لعرقلة وصول المرضى اليمنيين العالقين وكذلك الوفد اليمني المشارك في تشييع السيد علي الخامنئي، جاء الرد بقصف مطار أبها بعدد من الصواريخ الباليستية أدى إلى تعطيله لأيام عدة، إلى جانب استمرار تعطيل خمسة مطارات سعودية أخرى في جنوب المملكة. وفي سياق الرد على انتهاكات الأجواء، استهدفت القوات المسلحة منشآت أرامكو في بقيق ومطار نجران، في رسالة واضحة أن ثمن أي خرق سيكون باهظاً.

ثالثاً: السيادة الجوية.. إسقاط الطائرات المتقدمة وفرض قواعد اشتباك جديدة

شكلت عمليات إسقاط الطائرات المسيرة المتقدمة التابعة للعدو السعودي بعداً آخر من أبعاد الردع اليمني، وكشفت عن قفزة هائلة في قدرات الدفاع الجوي فقد تمكنت القوات المسلحة من إسقاط:
– طائرة استطلاع من نوع “وينق لونق 2” (Wing Loong II) أثناء قيامها بمهام عدائية في أجواء محافظة البيضاء.
– طائرة استطلاع مسلحة من نوع “بيرقدار أكنجي” تركية الصنع أثناء تنفيذها أعمالاً عدائية في أجواء محافظة الجوف.
– طائرة استطلاع من نوع “كاريال” أثناء قيامها بمهام عدائية في أجواء محافظة صعدة.
إسقاط هذه النوعيات المتطورة من الطائرات، التي تمثل أحدث ما أنتجته الصناعات العسكرية الصينية والتركية، لم يكن مجرد خسائر مادية للعدو، بل وجه ضربة قاسية لهيبته الاستخبارية وأثبت أن الأجواء اليمنية أصبحت محظورة فعلياً على المتطفلين، والأهم أن القوات المسلحة ربطت كل عملية إسقاط بعملية ردع مضادة في العمق السعودي، كما حدث عندما أعقب إسقاط طائرة “وينق لونق” استهداف خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط الخام من شرق السعودية إلى ينبع، مما أدى إلى اشتعال الحرائق في الأماكن المستهدفة وتوقف ضخ النفط عبرها.
أما عملية استهداف مطار نجران، فقد حملت دلالات استراتيجية أبعد فالمطار الذي يضم حظائر طائرات “وينغ لونغ” المسيرة ومنظومات دفاع جوي أمريكية من طراز باتريوت وأورليكون سكاي جارد، بالإضافة إلى مجمعات لوجستية وخبراء أمريكيين وبريطانيين، تحول إلى هدف مشروع للرد اليمني، وقد أثبتت العملية أن القوات المسلحة تمتلك بنك أهداف دقيقاً ومعلومات استخبارية عالية المستوى، مكنتها من تحديد النقاط الأكثر حساسية واختراق منظومات الدفاع المتعددة الطبقات، مما يمثل ضربة مباشرة لفعالية أنظمة الرصد والإنذار المبكر الأمريكية والغربية.

رابعاً: الخنق الاقتصادي.. التداعيات المدمرة على الاقتصاد السعودي

بدأت معادلة “الحصار بالحصار” تترجم نفسها إلى أرقام صادمة على أرض الواقع الاقتصادي السعودي فالاقتصاد الذي يعتمد بنسبة 80% على النفط، سواء من خلال التصدير أو التكرير أو الصناعات البتروكيماوية، وجد نفسه في مواجهة أزمة غير مسبوقة.

تراجع الصادرات والإيرادات:
كشفت وكالة بلومبرغ الأمريكية أن إجمالي صادرات السعودية من النفط بلغ 4.19 مليون برميل يومياً خلال يوليو، بانخفاض قدره 460 ألف برميل يومياً مقارنة بالشهر السابق. صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية أوضحت أن الناتج المحلي الإجمالي للسعودية سجل انكماشاً بنسبة 4.8% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، وهو أشد تراجع فصلي منذ جائحة كورونا، مدفوعاً بهبوط حاد في قطاع النفط بنسبة 24.7% نتيجة تعطل حركة الشحن.
أزمة في التخزين وسلاسل التوريد: الخزانات السعودية أصبحت شبه ممتلئة نتيجة تعطل الصادرات، ومحاولات الاعتماد على ميناء ينبع كبديل لم تكن كافية لتغطية احتياجات الأسواق الآسيوية والأوروبية. شركة “أوبيس” (OPIS) الأمريكية المتخصصة في أسواق الطاقة كشفت عن تراجع عمليات تحميل غاز البترول المسال في ينبع بشكل ملحوظ منذ أواخر يوليو، حيث قدرت صادرات أغسطس بنحو 91,500 طن متري فقط، انخفاضاً من 296,900 طن متري في يوليو. كما تراجع إجمالي صادرات غاز البترول المسال من الشرق الأوسط إلى 1.73 مليون طن متري، مقارنة بمتوسط شهري سابق يتراوح بين 3.5 و4 ملايين طن متري.
ارتفاع تكاليف النقل والتأمين: مع تحويل الناقلات السعودية مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر إلى طريق رأس الرجاء الصالح، تضاعفت مدة الرحلات تقريباً من 24 يوماً إلى 56 يوماً في بعض الحالات، وفقاً لشركة “ويندوارد” المتخصصة في الاستخبارات البحرية. هذا الارتفاع في زمن الرحلات، إلى جانب ارتفاع كلفة الوقت وكلفة التأمين بسبب تصنيف المنطقة كمنطقة حرب، أضاف أعباء مالية هائلة على كل شحنة. شركات التأمين باتت تطلب من السفن إبراز هويتها بوضوح، وأي سفينة لا تعلن هويتها قد تُحرم من التغطية التأمينية، مما يمنع تصدير أي شحنة نفطية بسبب اشتراط المستوردين وجود تغطية تأمينية كاملة.
فقدان الثقة الدولية: صحيفة “الإيكونوميست” الأمريكية أكدت أنه “لا يمكن تقليص قدرات اليمنيين المضادة للسفن إلى الحد الذي يجعلهم غير قادرين على ضرب وإغراق سفينة أو سفينتين شهرياً.. وهذا رادع كافٍ لشركات الشحن للتوقف ببساطة عن العبور”. هذا الواقع دفع العديد من الشركات إلى البحث عن موردين بديلين وتوقيع عقود طويلة الأجل مع دول أخرى تعمل في بيئات أكثر استقراراً، مما يعني أن خسائر السعودية لن تكون آنية فحسب، بل ستمتد إلى المستقبل البعيد.

خامساً: اعتراف دولي بالواقع الجديد.. تقارير تكشف حجم المأزق

أصبحت تأثيرات العمليات اليمنية محط اعتراف وتحليل من قبل كبرى المؤسسات الإعلامية والبحثية الدولية، التي أجمعت على حدوث تحول جذري في ميزان القوى.
شركة فورتيكسا البريطانية كشفت أن 81% من الناقلات التي عبرت مضيق باب المندب بعد إعلان الحصار استخدمت خانة الوجهة في نظام التعريف الآلي لإرسال رسائل إلى اليمن، تؤكد فيها عدم ارتباطها بشحنات سعودية أو أمريكية أو إسرائيلية، في محاولة لتجنب الاستهداف. هذا التحول في سلوك شركات الشحن العالمية يعكس اعترافاً ضمنياً بشرعية الحظر اليمني وفعاليته.
مجلة “لويدز ليست” البريطانية أفادت بأن حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر تشهد تدفقاً طبيعياً واستقراراً لافتاً، حيث عبرت نحو 58 سفينة حاويات مضيق باب المندب في أسبوع واحد، في أعلى حصيلة أسبوعية خلال الشهر، مما يؤكد اقتصار التهديد اليمني على السفن السعودية فقط، ويكذب الادعاءات بأن العمليات اليمنية تهدد الملاحة الدولية.
صحيفة “نيويورك تايمز” كشفت عن فشل التحالف البحري الذي دعت إليه السعودية، حيث لم تلتحق به سوى 14 دولة من أصل 51 دولة تمت دعوتها، في حين أبدت أمريكا ودول أوروبية عدم رغبتها في الانضمام. مسؤولون غربيون أكدوا عدم وضوح الفرق بين هذا التحالف وعملية “أسبيدس” الأوروبية التي يعترف الكثيرون بفشلها وعجزها عن إحداث أي فرق.
القناة 12 العبرية نقلت عن قائد قوة “أسبيدس” الأوروبية اعترافه بأن القوة لم تتدخل لحماية السفن السعودية التي تعرضت لهجمات، لأنها كانت تبحر داخل المياه الإقليمية السعودية ولم تتقدم بطلب رسمي للحماية وهذا الاعتراف يكشف مدى التخبط والعجز الدولي عن مواجهة الردع اليمني.
مجلة “نيوزويك” الأمريكية أكدت أن السعودية تعيش مرحلة أمنية غير مسبوقة، مما يضع مشاريعها الاقتصادية المرتبطة بـ “رؤية 2030” أمام اختبارات قاسية وسط تهديدات متزايدة للطاقة والملاحة، وأن استمرار العمليات اليمنية وعجز الحملات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية يترك السعودية أمام تحديات استراتيجية معقدة لحماية استقرارها ومشاريعها المستقبلية.

سادساً: تطور القدرات العسكرية اليمنية.. قفزات نوعية تحسم المعركة

إن ما تحقق من نجاحات ميدانية لم يكن ليكون ممكناً لولا القفزات النوعية التي شهدتها القدرات العسكرية اليمنية على مختلف المستويات فقد أصبحت الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة اليمنية قادرة على بلوغ أهدافها بدقة متناهية، حيث يقل هامش الخطأ عن عشرة أمتار، وهو ما تجلى في العمليات التي استهدفت خط شرق-غرب ومنشآت النفط، وحتى الأهداف الحساسة داخل المطارات والقواعد العسكرية.
على المستوى الاستخباري، أثبتت القوات المسلحة قدرة فائقة على جمع المعلومات وتحديد الأهداف واختيار نقاط التأثير الأكثر حساسية فاختراق منظومات الدفاع الجوي المتعددة الطبقات في مطار نجران، وتحديد مواقع حظائر الطائرات المسيرة بدقة، والوصول إلى معلومات عن تحركات السفن السعودية رغم محاولات التعتيم وإطفاء أجهزة التعريف، كلها مؤشرات على تطور هائل في القدرات الاستخبارية اليمنية.
والأهم من ذلك، أن هذا التطور تجاوز حدود الجغرافيا فخبرات معركة إسناد غزة التي شهدت استهداف سفن في المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، أثبتت أن المسافة لم تعد عائقاً أمام الأسلحة اليمنية، مما يعني أن أي محاولة سعودية للالتفاف على الحصار عبر طرق بديلة بعيدة لن تكون كافية للإفلات من العقاب.

نهاية اللعبة السعودية.. وخيارات الرياض الضيقة

في المحصلة النهائية، تواجه السعودية اليوم مأزقاً استراتيجياً غير مسبوق فكل محاولاتها لفك الحصار البحري باءت بالفشل، وكل رهاناتها على الدعم الدولي لم تسفر عن شيء ملموس، وكل محاولاتها للالتفاف أو التخفي أو تغيير المسارات تم إحباطها، أما على الجبهة الداخلية، فإن استمرار العمليات اليمنية يضاعف الخسائر الاقتصادية يوماً بعد يوم، ويهدد بتقويض أسس “رؤية 2030” والمشاريع الكبرى، ويضع مستقبل النفط السعودي كله على المحك.
لقد أثبتت الأسابيع القليلة الماضية أن اليمن يمتلك اليوم من أوراق القوة ما يمكنه من فرض معادلاته، وأن الرهان السعودي على الحصار والتجويع لم يعد مجدياً في مواجهة بلد قرر أن يحول حصار اثني عشر عاماً إلى حصار مضاد يخنق اقتصاد المعتدي، وبينما تتسع رقعة التصعيد اليمني تدريجياً من البحر إلى الجو إلى العمق الاستراتيجي، تقف الرياض عاجزة عن إيجاد حلول، مدركة أن استمرار التعنت والعدوان لن يزيدها إلا خسائر فادحة، وأن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق يبدأ برفع الحصار عن اليمن، وتلبية المطالب المحقة لشعب صمد وصابر
نقلا عن موقع أنصار الله

Comments are closed.