المنبر الاعلامي الحر

على أرضِ النفطِ والغازِ يجوعُ اليمنيون.. “التحرير” السعوديُّ نموذجٌ للفشلِ وصناعةِ الأزماتِ الممنهجة

على أرضِ النفطِ والغازِ يجوعُ اليمنيون.. “التحرير” السعوديُّ نموذجٌ للفشلِ وصناعةِ الأزماتِ الممنهجة

يمني برس | تقرير | يحيى الشامي
تدخل المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة العدو السعودي عقدها الثاني من الاحتلال مثقلةً بطوابير الغاز والوقود، ومكتويةً بانقطاع الكهرباء الذي بات موسماً ثابتاً يصاحب كل صيف، ومؤرقةً باحتجاجات شعبية تقابَل بالرصاص والقمع بدلاً من الحلول، وفي مفارقةٍ تجسد زيف شعارات “التحرير” ووعود التنمية الزائفة، تغرق هذه المناطق في أزمات معيشية متلاحقة رغم وجود حقول النفط والغاز والموانئ المفتوحة، وغياب أي حصار يُتخذ ذريعةً للفشل، فالثروات التي من شأنها أن تضيء الجزيرة العربية وتكفل لليمنيين حياة كريمة، تتبخر في جيوب سماسرة الحروب وتجار الأزمات من قيادات المرتزقة في الداخل والخارج، بينما يتحول المواطن اليمني إلى رهينة لندرة مصطنعة وسياسة إفقار ممنهجة تهدف إلى إبقاء اليمن ضعيفاً ومقسماً ومرتهناً للمساعدات المؤقتة… هذا التقرير يرصد كيف تحول “التحرير” المزعوم إلى نموذج للاحتلال المقترن بالإذلال، وكيف أصبحت الطوابير والاحتجاجات والوعود الكاذبة والمنح العنوانَ الأبرز لحقبةٍ لم تجلب للشعب سوى المزيد من الجوع والانتظار والخذلان.

طوابير طويلة لأزمات متجددة

من جديد، تعود طوابير الغاز لتتصدر المشهد في مدينة عدن وبقية المحافظات الواقعة تحت السيطرة السعودية، في حلقة جديدة من سلسلة أزماتٍ متراكمة لم تغادر حياة السكان منذ سنوات، وكأن الزمن قد توقف عند محطة المعاناة الدائمة، مشهدٌ يتكرر مع كل أزمة، بينما تمتد الطوابير أمام محطات التعبئة ونقاط التوزيع لمسافات طويلة وتحت أشعة شمس حارقة، في وقتٍ تتعاظم فيه معاناة المواطنين بين شح الغاز المنزلي، وانقطاع الكهرباء المتواصل الذي تجاوزت ساعاته الحدود المقبولة، وأزمات الوقود والمياه التي باتت تهدد الصحة العامة والتعليم والحياة اليومية، وذلك في مناطق لا تعاني حصارًا عسكريًا ولا إغلاقًا للموانئ أو المنافذ البرية والبحرية، بل تُعدّ -نظريًا- بوابات اليمن المفتوحة على العالم.

ولم تتوقف تداعيات أزمة الغاز عند حدود المنازل والمطابخ والمطاعم التي أُجبرت العديد منها على إغلاق أبوابها أو رفع أسعار وجباتها بشكل جنوني بسبب تكاليف الطاقة البديلة، بل انعكست مباشرة وبشكل كارثي على حركة النقل والمواصلات، حيث وجد آلاف المواطنين أنفسهم عالقين في الشوارع لساعات طويلة بانتظار وسائل نقلٍ عامة غابت أو قلّت أعدادها بشكل مخيف بسبب شح مادة الغاز وارتفاع أسعارها في السوق السوداء. لقد تحولت رحلة التنقل اليومية في عدن إلى معاناةٍ إضافية تثقل كاهل السكان، وبات الموظفون والطلاب والمرضى يدفعون ثمن هذا الانهيار الخدمي من أعصابهم وصحتهم ولقمة عيشهم، في ظل غياب تام لأي بدائل حكومية أو خطط طوارئ حقيقية تخفف من وطأة هذا الشلل الذي يضرب شريان الحياة اليومي.

وتتجلى هذه المعاناة أيضاً وبأقسى صورها في تعز المحتلة، التي شهدت بين فترة وأخرى حالةَ شللٍ شبه كاملٍ في حركة السير داخل الشوارع الرئيسة والفرعية، جراء تفاقمِ أزمةِ المشتقاتِ النفطية وارتفاعِ أسعارِ البنزين إلى مستوياتٍ غيرِ مسبوقة؛ حيث قفز سعر عبوة البنزين (20 لترًا) إلى نحوِ خمسةٍ وأربعينَ ألفَ ريال، ما ألقت بظلالها المباشرة على قطاع المواصلات والأعمال اليومية للمواطنين، وتسبب في توقف عدد كبير من المركبات عن العمل، وإغلاق معظم محطات الوقود أبوابها، وتكدس طوابير طويلة أمام المحطات القليلة التي لا تزال تعمل، في دليل قاطع على أن الأزمة ليست ظرفية، بل هي سياسة إفقار ممنهجة تستهدف خنق المدن واحدة تلو الأخرى.

وفي مأرب (المحافظة التي تضم أكبر حقول النفط والغاز في اليمن، وتُعدّ الرئة الاقتصادية التي يُفترض أن تغذي البلاد بالطاقة) تبلغ المفارقة ذروتها، وتصل إلى حد السخرية المرة من الواقع. فهناك يقف المواطن في طوابير أمام محطات الوقود أيامًا طويلة، ويُحرم من أبسط حقوقه في الحصول على مشتقات نفطية تنتجها أرضه، في وقت تنتعش فيه الأسواق السوداء وتزداد أرصدة قادة المرتزقة في الداخل والخارج، في صورة تختزل واقع المناطق الواقعة تحت الاحتلال السعودي، وتجسّد معنى “نهب الثروات” بأبشع صوره. مأرب التي يُروّج إعلام التحالف بأنها “حصن الجمهورية” ونموذج الاستقرار، تعيش اليوم انهيارًا خدميًا واقتصاديًا يفوق ما كانت عليه قبل الحرب، ما يؤكد أن المحتل لايمكن أن يجلب يوماً الاستقرار والأمان وفق شعاراته التي يرفعها، فهو يظل يعمل أولاً وأخيراً لخدمة مصالحه وفق أهداف لا ترتبط من قريب ولا من بعيد بأصحاب الأرض، ولاتراعي أدنى مصالحهم، وكل من يقول خلاف ذلك يكذّبه التاريخ بأحداثه المكررة مع كل قصص المحتل والشعوب.

شبكات الفساد واحتكار القوت تحت عباءة الاحتلال

وفيما يزداد اختناق المواطنين وتتصاعد صرخات الأمهات وربات الأسر اللواتي يقضين نهارهن في الانتظار للحصول على أسطوانة غاز واحدة، تتجه أصابع الاتهام نحو شبكات الفساد التابعة لسلطات المرتزقة، التي يتهمها المواطنون باحتكار كميات الغاز وتهريبها إلى السوق السوداء لتحقيق أرباح طائلة على حساب قوت الناس. إذ توثق تسجيلات مصورة وشهادات موثقة مظاهر الفوضى والتلاعب الممنهج في استقبال مقطورات الغاز وتأخير توزيعها عمدًا لخلق ندرة مصطنعة، في مشهدٍ يؤكد أن من يُدير المحافظات المحتلة ليسوا سوى سماسرة حروب وتُجار أزمات بإشراف سعودي مباشر يسعى عن عمد إلى إبقاء الحال على ما هو عليه وأسوأ، ويسمح لأدواته بالبقاء المشروط بتحويل المعاناة الإنسانية إلى تجارة رابحة، واستغلال الحاجة الماسة للسكان لجني الأرباح عبر شبكات مصالح متداخلة تشمل قيادات عسكرية وأمنية ومسؤولين محليين نافذين، جميعهم شركاء في منظومة إفقار ممنهجة.

ورغم الموارد الهائلة والسيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز، والموانئ المفتوحة مثل عدن والمكلا ونشطون، وغياب الحصار البحري والجوي الذي يُستخدم كشماعة دائمة لتبرير الفشل، ما تزال الأزمات تتوالد وتتكاثر في المحافظات الواقعة تحت الاحتلال السعودي، مايؤكد أن قيادتها تتبنى نهجاً يُبقي اليمن غارقا في الأزمات، ويعمّق معاناة المواطنين عمداً أو نتيجة سوء إدارة متعمد، فالإيرادات النفطية والجمركية التي تُجبى من هذه المناطق لا تنعكس خدماتٍ أو مشاريع تنموية، بل تتبخر في جيوب النافذين وتمويل الصراعات الجانبية وشراء الولاءات، بينما تبقى الموازنة التشغيلية للخدمات الأساسية شبه معدومة، ما يحوِّل ما يصفونه بـ “المحافظات المحررة” إلى كيانات اقتصادية هشة تعتمد على المساعدات الخارجية والمنح المؤقتة بدلاً من مواردها السيادية.

لا تصل نداءات المواطنين إلى قيادات المرتزقة، وأولوياتهم محصورة في أرصدة مالية وعقارات في بلدان مختلفة، تاركين الميدان لعبث السعودية كما تركوه للإمارات من قبل؛ وهاتان الدولتان تمارسان الانتقام من اليمن كله، حتى من أولئك الذين خدموهما بالأنفس والقرار، فما يجري هو احتلال مع الإذلال، وهي شواهد تتكرر منذ العام ألفين وخمسة عشر، بأن الهدف يمنٌ ضعيف مُقسّم لا يُجمع أبناؤه إلا على خدمة حكام الرياض، وأن المشكلة تكمن في احتلالٍ لا مصلحة له في تنمية اليمن وازدهارها، ولا مصلحة له في قوتها واستقلال قرارها، بل في إغراقها بالأزمات وصناعة الفوضى المضبوطة.

غضب شعبي يقابله قمع سعودي وإذلال متعمد

تصاعدت حالة السخط الشعبي والاحتجاجات بين المواطنين تجاه سلطات المرتزقة والاحتلال في المحافظات المحتلة، في ظل تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتجاهل السلطات لمعاناة السكان، فقد قام محتجون بإحراق الإطارات وإغلاقِ الطرقِ في عددٍ من أحياء مدينة عدن ومدن في محافظات أبين شبوة وحضرموت تنديداً باستمرار انقطاعِ التيارِ الكهربائي، الأمرُ الذي أدى إلى تسجيل حالات وفاة في عدن بسبب الحرارة والأمراض، فيما أفادت مصادر محلية بإغلاق محتجين في مديرية البريقة ميناء الزيت ومنعِهم خروجَ قاطرات المشتقات النفطية. وقطع متظاهرون الطريقَ الرئيسَ بين جولتي كالتكس والغزل والنسيج في المنصورة احتجاجاً على تدهور الخدمات، وعلى الإجراءات الأمنية بحق المحتجين السلميين.

وفي السياق ذاته، دعا ناشطون في وادي حضرموت إلى عصيان مدني سلمي شامل يشمل إغلاق المحلات وتعليق العمل في المرافق العامة والخاصة، كما نظم مواطنون في زنجبار محافظة أبين وقفة احتجاجية أمام المجمع الحكومي للمطالبة بحلول عاجلة للأزمات الخدمية والمعيشية، وفي شبوة تفاقمت أزمة الوقود مع شح الديزل والبترول، ما تسبب في تعطيل حركة النقل والخدمات والأنشطة التجارية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود في السوق السوداء إلى مستويات قياسية وصل فيها سعر دبة البترول (20 لتراً) إلى 50 ألف ريال. موجة الغضب الشعبي هذه قوبلت بالقمع من قبل الأجهزة التابعة للنظام السعودي، فافتعال الأزمة بحق أبناء المحافظات المحتلة ليس وليد اللحظة بل سياسة ممنهجة تكررت وتعاقبت مع تعاقب الأدوات، إصابات وقمع لا يتوقف، وغضب الأهالي من سياسة افتعال الأزمات تقابله قوات الاحتلال السعودي بإشعال النيران لا إشعال المنازل.

بينما تدخل عدن عقدها الثاني في ظل الاحتلال، وكأن المدينة المنكوبة بحاجة إلى تجربة عشر سنوات لتتحول إلى جدة أخرى، كما سبق وأوهمت الإمارات سكان المدينة بتحويلها إلى دبي أخرى، لكن الوعود تبخرت وبقيت الطوابير والوعود الكاذبة. وأبناء المحافظات المحتلة يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن النظام السعودي لم يكن يوما حريصا على استقرار بلد يرفع رفض الوصاية شعارا لاستقلاله وحريته. وهكذا بين صيف لاهب وانعدام للكهرباء تسير المحافظات المحتلة من أزمة إلى أسوأ، بعد أن لعبت على مسرحها ممالك النفط، وتزاوجت في جغرافيتها أجندة متناقضة، أنجبت خليطا من المرتزقة والتكفيريين ومليشياتٍ لا تزال تتوالد على حساب أمن المواطن ومعيشته، تزيد الأوضاع سوءا وتعد بالأسوأ.

كذبةُ التحرير عقدٌ من الاحتلالِ وصناعة الفوضى المضبوطة

أسقطت أزمة الكهرباء مزاعم السعودية عن التنمية في عدن، وقد تباهت منذ أشهر بما أسمتها “منحة تشغيل الكهرباء”، وخرج حاكمها في عدن فلاح الشهراني مبشرا بغدٍ أجمل، خالٍ من انقطاع التيار الكهربائي، لكن الواقع كذب المزاعم وبدد الأحلام، فلا يكترث الاحتلال بأوجاع الناس في عدن وغيرها من المحافظات الواقعة تحت سيطرته، إذ تعد أزمة الكهرباء أشبه بموسم يترافق مع فصل الصيف. تتعدد فصول الأزمة مع تعدد ما يطلق عليها منحا سعودية، لا تحضر إلا مع كل تصاعد للأزمة، يقدمها النظام السعودي كمنَّة لا منحة، لشعب يجثم على ثروته التي من شأنها أن تضيء الجزيرة كلها.

وبقدر ما تكشف أزمة الكهرباء في عدن والمدن المحتلة الأخرى تعمدا سعوديا لإذلال المواطنين في تلك المناطق، بقدر ما تكشف طبيعة المشروع الهدام الذي يحمله لاحتلال، فلأكثر من عشرة أعوام وأزمة الكهرباء تراوح مكانها، تتعاظم قناعة المواطنين في عدن والمحافظات المحتلة أن المشكلة تكمن في احتلالٍ لا مصلحة له في تنمية اليمن وازدهارها، ولا مصلحة له في قوتها واستقلال قرارها، بل في إغراقها بالأزمات وصناعة الفوضى المضبوطة. فهل يكفي كل ما سبق لصحوةٍ شعبية تنتهي بطرد المحتلين؟ أم أن الطوابير ستظل العنوان الأبرز لـ”التحرير” المزعوم، والتحرير في قاموسهم لا يعني سوى تعميم هذا الواقع المرير على ما تبقى من اليمن، وتصدير نموذج الفشل والإفقار ليكون قدرًا جماعيًا لليمنيين جميعًا، حتى يدرك اليمنيون في تلك المحافظات أن الخلاص الحقيقي لن يأتي من خارج الحدود، بل من إرادة شعبية قادرة على كنس هذه المنظومة الفاسدة، واستعادة قرارها الوطني وثرواتها المسلوبة، قبل أن تتحول الطوابير من ظاهرة مؤقتة إلى قدر دائم يطبع حياة الأجيال القادمة.
نقلا عن موقع أنصار الله

Comments are closed.