في جلالِ الوصفِ المحمديّ
يمني برس | بقلم / عبد القوي السباعي
الحديثُ عن الرسولِ الأعظمِ محمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم- هو إشراقٌ في رحابِ السموّ البشريّ الذي تجلّى بأبهى صورهِ حين تَولّى باري الخلائقِ جلّ وعلا وصْفَهُ في محكمِ كتابِهِ؛ فقد أثنى اللهُ سبحانه على نبيه، وبيّن سامي مكانته، وجليلَ صفاته، وعظيمَ رسالته، ورحمته بالمؤمنين، وطاعته المطلقة لربه، وحرصه الفائق على هداية العالمين، في تعريفٍ إلهيٍّ مُنيفٍ لرسولٍ بُعِثَ رحمةً مهداةً وقدوةً للسالكين.
ومن أسمى الأوصافِ التي أسبغها الحقُّ على نبيهِ أنه “رسولُ الله”؛ فمحمدٌ -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يكن صاحبَ دعوةٍ من لدن نفسه، فهو صفوةُ الخلقِ واصطفاءُ السماء، اختارهُ ربه ليبلغَ أمانةَ الوحي، ويدعو العبادَ إلى توحيدِ باريها وعبادتهِ وحده، وهو خاتمُ الأنبياء والمرسلين، جاءت شريعتهُ ختامًا للرسالات، ودعوتهُ عامةً للثقلين.
ومن أبهى ما توّجَ اللهُ به نبيهُ قوله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾؛ فقد كانت الرحمةُ هي العصبَ الحيّ لرسالته، أشرقَ بها ليخرجَ البشريةَ من غياهبِ الشرك والجهالةِ إلى ضياءِ التوحيد والإيمان، يدعوهم إلى ينابيعِ الخير، ويحذرهم من مواردِ الشر، فكانت رسالتهُ عينَ الرحمةِ للإنسان في عاجلِ أمره وآجله.
ولعلّ أبلغَ ما تجلّت فيه عظمتُهُ قولُ الباري سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، إنها شهادةُ ربِّ العالمين للنبيِّ الأكرمِ بتمامِ المكارم؛ إذ كانت الأخلاقُ في شخصيتهِ جزءًا أصيلًا ونسيجًا راسخًا في دعوته، وقد أمره الله بالصفح الجميل، واللين، والإحسان، والصبر، والحلم، وسمو المعاملةِ مع الناس أجمعين.
وفي إبرازِ رأفتهِ الخالصةِ بالمؤمنين يقولُ الحقّ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، وتأمل معي هذا البيانَ المعجز: “عزيزٌ عليه ما عنتم، حريصٌ عليكم، بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم”، إنها تصفُ قلبًا فياضًا بالحبِ والشفقة، يحملُ همَّ الهداية، وتنفطرُ حناياه ألمًا لما يصيبُ الناسَ من المشقةِ والضلال، ويستبدُّ به الحرصُ على نجاتهم وفلاحهم.
ولم يقتصر الوحيُ على ثنائهِ وتكريمه، فقد جعله الله قدوةً يُقتفى أثرُها، فقال عزَّ من قائل: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾؛ فمن أراد أن ينتهلَ دروسَ الصبر، والرحمة، والتواضع، والشجاعة، والعبادة، وحسن العشرة، فليقرنُ بقلبهِ إلى سيرةِ الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد جمعَ القرآنُ شتاتَ المجدِ في رسالتهِ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾؛ فاستوت فيه أدوارُ النبوةِ بأجلى معانيها: شاهدًا على أُمّته، ومبشرًا للمؤمنين، ومنذرًا للغافلين، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا وهاجًا يهدي إلى صراطِ الحقِّ المستقيم.
غايتهُ الشريفةُ لم تكن من أجل اتباعِ الناسِ له في أرباضِ الدنيا، لأنّه يصبو لنجاتهم وفوزهم السرمديِّ في الآخرة، كنزًا ينضحُ بالرحمةِ كما أكّدَ سبحانه وتعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، ما يجلّي عظيمَ حنانه على أُمّتهِ وشغفهِ بصلحهِم وسعادتهم.
وقد قرن الله سبحانه وتعالى طاعتهُ بطاعةِ نبيهِ فقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال جلّ شأنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾؛ لتكونَ محبةُ المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- حقيقةً تتجسدُ في امتثالِ نهجه، وطاعته فيما أمر، والاقتداءِ بهديهِ وأخلاقهِ العطرة، ليست أهزوجةً أو كلماتٍ تُقال في ذكرى مولده.
إنّ من سامي مظاهرِ التكريمِ الإلهيِّ قوله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾؛ حيث أُعلي قدرُه في العوالمِ كلها، فصار اسمه الشريفُ مقترنًا بشهادةِ التوحيدِ في الأذانِ والتشهد، وتشدو الألسنُ بالصلاةِ والسلامِ عليه في مشارقِ الأرضِ ومغاربها.
وتتوجُ هذه المنزلةُ العليةُ بملَكوتِ النداء الإلهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ فيا لها من رفعةٍ وشرف، أن يفيضَ الحقُّ جلَّ جلاله وملائكته بالصلاةِ على النبي، ثم يأمرَ أهلَ الإيمانِ بالصلاةِ والسلامِ عليه.
وحين نتأمل هذا الوصفَ القرآني البديع لنبينا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم- نجدُ أنفسنا أمامَ قمةٍ بشريةٍ تتسامى فيها الرحمةُ بالأخلاق، والصبرُ بالحرص على الهداية، والأمانةُ بتمام البلاغ؛ فهو الرسولُ الخاتم، والرحمةُ المُهداة، وصاحبُ الخلق العظيم، والرؤوفُ الرحيم، والأسوةُ الحسنة، والداعي إلى الله، والسراجُ المنير.
إن هذه الأوصافَ القرآنية تعلو بمحبةِ النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- من مجردِ جيشانِ العاطفةِ إلى فضاءِ الاتباعِ والعمل؛ إذ المحبةُ الصادقةُ هي أن نعرفَ هديه، ونستنَّ بسنته، ونقتديَ بأخلاقه، ونكثرَ من الصلاةِ والسلامِ عليه، ونلتزمَ بما جاء به من عند ربه.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله، القائلِ فيه ربهُ وقوله الحق: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
Comments are closed.