المنبر الاعلامي الحر

سقوط مناورة البدائل

سقوط مناورة البدائل

يمني برس | بقلم | وديع العبسي
نسفت العمليات اليمنية المتصاعدة استراتيجية المماطلة السعودية، وفرضت معادلة قاطعة تُخضع شريان الطاقة السعودي للتعطيل التام كتحرك طبيعي فرضه السلوك السعودي العدواني في التعامل مع استحقاقات السلام مع اليمن.

وتتزايد تعقيدات المشهد السياسي والعسكري أمام الرياض مع نجاح هذه الضربات في إجهاض الرهان السعودي على عامل الوقت لتثبيت حالة «اللا حرب واللا سلم»، وإفشال محاولات استيعاب الضغوط البحرية التي أقرتها القوات المسلحة اليمنية، عبر تحويل مسارات التصدير نحو شمال البحر الأحمر؛ إذ ظنت السعودية أن هذه المناورة ستضمن لها تصدير النفط وبالتالي تدفق الموارد المالية دون تقديم تنازلات جوهرية تخص الملفين الحقوقي والمعيشي للشعب اليمني.

غير أن التطورات العسكرية المتلاحقة أسقطت مفهوم «الملاذات الآمنة» ودمرت خطط البدائل الجغرافية. وتجسد ذلك عملياً في استهداف المسار الشمالي عبر ضرب الناقلة الملكية السعودية «وفاء» مطلع أغسطس، تلاها استهداف السفن النفطية «أمزان» قبالة سواحل ينبع قبل أيام. ولم تنحصر هذه الاستراتيجية الدفاعية في الممرات المائية فحسب، بل امتدت لتشمل إحباط التحركات والتحشيدات السعودية البرية في مناطق شرقية بضربات استباقية حاسمة؛ إذ شهدت منطقتا «الرويك» و«الثنية» في مارب، ومقرات عسكرية في «العبر» و«الوديعة» بحضرموت، عمليات قصف مكثفة أوقفت تجمعات المرتزقة.

كما طالت الضربات رتلاً عسكرياً مُدجّجاً بالعتاد قادماً من السعودية، فضلاً عن تدمير تحشيدات ومخازن أسلحة في منطقة «الكنايس»، ما أدى إلى كسر نوايا الهجوم على الممتلكات الحرة قبل انطلاقه، وتفكيك البنية التنظيمية السعودية في خطوط التماس.

وتعكس هذه المستجدات تحولاً محورياً في المسرح الذي تتمناه الرياض فصدمها التموضع الهجومي والردع المباشر للقوات المسلحة اليمنية بباليستياته الصاروخية وطائراته المسيرة.

وبالتزامن، يثير اكثر، التلميح لإمكانية إدخال الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة الانقضاضية بشكل أوسع ضمن عمليات الدفاع اليمنية السيادية؛ وهو ما يمكن ان ينقل المواجهة إلى مرحلة كسر العظم التي يمكن ان تجعل الملاحة الدولية في موانئ النظام السعودي تحت رحمة أجهزة الرصد ونيران القوات المسلحة.

بعيد هذا الانكشاف الأمني رسم جدول التكاليف لدى صانع القرار في الرياض؛ فالشركات العالمية ومؤسسات التأمين لن تتعامل مع موانئها الشمالية بوصفها جغرافيا مستقرة، مما يرفع رسوم التأمين البحري إلى مستويات قياسية ويجعل نقل الطاقة مجازفة عالية المخاطر ذات ارتدادات وخيمة على أسواق المال.

بالتالي، فإن الإصرار السعودي على الهروب بالنفط عبر منافذ متباعدة ينقل مسرح التهديد المباشر إلى العمق الاقتصادي الحيوي للمملكة، ليتحول المصدر المالي الأول لـ«رؤية 2030» إلى خاصرة رخوة تضغط على الميزانية العامة بدلاً من رفدها بالسيولة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أثبتت هذه التحولات فشل كافة المساعي الدولية الرامية إلى فصل الاستحقاقات اليمنية عن المسار العسكري والأمني، ولم تعد القنوات الخلفية والوساطات الإقليمية قادرة على منح الرياض غطاءً للاستمرار في المماطلة وتأخير شروط السلام المستدام. فالواقع الجيوسياسي الجديد يفرض نفسه على طاولة المفاوضات، ويجبر القوى الدولية على إعادة تقييم حساباتها وفق هذه المتغيرات، وبعد أن تحولت مصالحها النفطية المرتبطة بالسعودية إلى أهداف مشروعة يصعب حمايتها بالمنظومات الدفاعية التقليدية.

ومع فقدان الرياض لآخر أوراقها المتاحة بسقوط رهان الطرق البديلة، يضعها الواقع الميداني أمام مسارين لا ثالث لهما: فإما النزول عند الإرادة الشعبية اليمنية والقبول بشروط السلام الجوهري القائم على المعالجة الشاملة للملف الإنساني ودفع المرتبات وإغلاق ملف الحرب، أو الدخول في مواجهة واسعة النطاق تضيّق الخناق أكثر على حركة تصدير النفط وتدخل معها المنشآت السيادية السعودية في دائرة الاستهداف المباشر؛ ليصبح استمرار رفاهية الاقتصاد السعودي مرهوناً ومقترناً بالرفع الفعلي والحاسم للحصار عن اليمن.

Comments are closed.