المنبر الاعلامي الحر

الرياض بين التصريحات النارية والعجز الدفاعي، والغرب يُفضّل السلامة

الرياض بين التصريحات النارية والعجز الدفاعي، والغرب يُفضّل السلامة

يمني برس | تقرير | وديع العبسي

لا تزال السعودية تعيش وهم القدرة على تحقيق الردع في اليمن، وتُصوِّر لها نزعتها الدموية لقتل الأطفال والنساء والمدنيين واستهداف الأماكن المأهولة بالسكان ، أن ما تقوم به من هجمات وتحقيق “إنجازات استثنائية” في ارتكاب المجازر، سيقترب بها من تحقيق النصر.

وعندما ترعد وتتوعد فإنها إنما تستند إلى هذا السلوك في استهداف الأعيان المدنية وإغراق الأبرياء في واقع مأساوي، غير أنها لا تنتبه إلى أن كل ما قامت به خلال اثني عشر عاماً بهذه المنهجية القاتلة لم يجلب لها أي مكسب، وإنما جعلها في وضعية الهدف لضربات القوات المسلحة اليمنية، ثم لم يسعفها استمرار سلوكها العدواني لتحقيق أي انفراجة في فك الحصار عن ملاحتها، أو منع استهداف منشآتها الحيوية، ودخولها في مأزق اقتصادي ستظهر آثاره حتماً على واقع مجتمعها وخططها التنموية.

الفجوة بين الخطاب والواقع الميداني

نغمة الوعيد والادعاء بإمكانية تحويل التهديد إلى فعل، أعادها بن سلمان الأسبوع الماضي ضمن ما يسمى بـ “الخطاب الملكي”. من تابعوا الخطاب من المراقبين خلصوا إلى أن مضمونه المتعلق بمأزق السعودية مع اليمن، يكشف عن فجوة استراتيجية وأخلاقية عميقة بين السردية الرسمية التي تحاول إشاعة لغة الاقتدار والردع، وبين الميدان الذي ينكشف فيه ضيق خياراتها أمام قوة يمنية باتت تفرض معادلاتها بثبات، بتوفيق من الله سبحانه وتعالى.

حاول الخطاب -حسب المراقبين- رسم صورة ذهنية للرياض بأنها الطرف القادر على “التصدي للتهديدات” و”استعادة الاستقرار”، مع التلويح بـ”الرد الحازم وعدم التهاون”. غير أن هذا الاستعراض البلاغي يتهاوى بالنظر إلى ما عليه الواقع الميداني فعلياً وما ترصده التقارير الغربية والعبرية، حيث باتت ترزح تحت وطأة الحصار البحري، وتقلّص كل يوم أكثر فأكثر من مصروفاتها بسبب ما يتعرض له قطاعها النفطي من استهداف ومنع.

وفي هذا الصدد، أكدت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في إحدى تغطياتها أن “السعودية تجد نفسها محاصرة بين أعباء مواجهة مكلفة وغير محسومة، ورغبة ملحة في حماية مشاريعها الاقتصادية، ما يجعل خياراتها العسكرية القاسية مجرد محاولة للتغطية على الفشل الإستراتيجي”.

يتلخص السر الجوهري لهذه المواجهة في أن اليمن مفعم بالإيمان، ويمتلك القضية الوطنية والسيادية العادلة، ويدافع عن أرضه وكرامته، بينما تفتقد السعودية للدافع المشروع، ما يجعل كل استعراضاتها التسليحية مجرد مظهر شكلي لا يحقق أي ردع، وهو الذي يعكسه التوسل والاستنجاد بالحلفاء الغربيين، والاستعانة بالمرتزقة، والتنسيق مع الكيان الإسرائيلي. فامتلاك اليمن للقضية أوجد لديه عقيدة قتالية متماسكة، واستجابة شعبية وعسكرية قادرة على الابتكار والاستمرار رغم الحصار والعدوان، في حين أن النظام السعودي يقف في موقع المعتدي الذي يفتقر لعدالة القضية والغطاء الأخلاقي، وهو ما ينعكس مباشرة على هشاشة أدائها الميداني وخياراتها الدفاعية.

المنظومات الدفاعية لا توفر الأمن

وتتجلى أبعاد هذا المأزق في ما كشفت عنه وسائل الإعلام الغربية التي فككت الادعاءات السعودية، وكشفت عن حجم الاستنزاف الحاصل. إذ أكدت مجلة “فوربس” الأمريكية في تقرير لها أن التكتيكات والهجمات اليمنية المتصاعدة أدت إلى “تراجع مخزونات باتريوت، وفاقمت الضغوط على السعودية”، ما أجبر الرياض على السعي إلى الاستعانة بحلفائها لتعزيز قدراتها الجوية وسد الثغرات الدفاعية الكبيرة التي أحدثتها الصواريخ والطائرات المسيّرة اليمنية في عمق منشآتها.

وهذا الاستنزاف لم ينحصر في المنظومات الاعتراضية، بل امتد إلى المراهنات السعودية على الحماية الأمريكية المباشرة. فوفقاً لما نشرته صحيفة “ذا هيل” الأمريكية، فإن دعم واشنطن فشل في إجبار اليمن على التراجع، وأن “القوة اليمنية قد طالت أصلاً كيان الاحتلال وحُماته الأمريكيين والبريطانيين”. وقد عززت مجلة “ناشونال إنترست” هذا التحليل بالإشارة إلى أن “الاعتماد المفرط على تقنيات الدفاع الجوي المكلفة لم ينجح في توفير الأمن الشامل، إذ أثبتت المسيرات والصواريخ منخفضة التكلفة قدرة عالية على اختراق أحدث الدفاعات، ما وضع المدافعين في معادلة استنزاف مالية وعسكرية غير متكافئة”.
انكشاف استراتيجي غير مسبوق

هذه الحقيقة الميدانية جعلت الإدارة الأمريكية تدرك كلفة الانخراط المباشر في حرب ضد اليمن، وترفع منسوب الشكوك حول قدرة أي تدخل عسكري على تغيير المعادلة، وهو ما أوجزته التناولات الإعلامية المتواترة بالقول إن “واشنطن غير مستعدة لخوض حرب جديدة نيابة عن الرياض”، ما ترك السعودية في انكشاف استراتيجي غير مسبوق، ودفعها للبحث عن البدائل والحلول الترقيعية لدى العواصم الأوروبية.

وفي ما يتصل بالبدائل الأوروبية، أوضحت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أن “واشنطن وحلفاءها باتوا يدركون حدود استخدام القوة العسكرية في مواجهة القوات اليمنية، حيث لم تفلح الضربات الجوية في شل الترسانة اليمنية أو الحد من جرأتها التكتيكية”.

في السياق ذاته، كشفت قناة “فرانس 24” الفرنسية عن المساعي السعودية الدؤوبة لشراء الدعم العسكري من باريس، مشيرة إلى أن هناك عرضاً سعودياً أغرى فرنسا لدعم يشتري عِداءَ اليمن. وأوضحت القناة أن هذه التحركات واجهت معارضة داخلية شديدة، حيث أكدت أن “الأحزاب تعترض على إرسال قوات فرنسية لمشاركة السعودية في حربها”، معتبرة أن التحرك الفرنسي مع السعودية يشتري عِداءَ اليمن ويورط باريس في مواجهة لا طائل منها مع شعب يمتلك أرضه وقضيته، لمجرد تقديم خدمة لنظام يعاني بسبب افتقاره للقدرة على الردع وتحقيق النصر الميداني.

مرتزقة وتحالفات أمنية مشبوهة

ولم تقف حدود المأزق السعودي عند محاولة استجلاب التغطية الجوية والبحرية الغربية، بل وصلت إلى حد الرعب من المواجهة البرية المباشرة مع رجال اليمن على الحدود الجنوبية. وفي هذا الصدد، كشفت منصة “إنتليجنس أونلاين” الفرنسية المتخصصة في الشؤون الاستخباراتية عن استنجاد السعودية بكتائب مرتزقة أجانب خشية اجتياح برّي. وأوضحت المنصة الفرنسية أن الرياض -واستجابة لـ “مخاوفها من قيام القوات اليمنية بعمليات برية مباغتة تستهدف مدناً حدودية”- شرعت في تحركات مكثفة لاستقدام مرتزقة أجانب، وإعادة تفعيل شبكات التجنيد من أمريكا الجنوبية، وصولاً إلى التعاقد مع مقاتلين سوريين منتمين للجماعات المسلحة، لنشرهم كخطوط دفاعية أولى.

ويرى محللون أن لجوء دولة تدعي الاقتدار والجاهزية العسكرية إلى استئجار المرتزقة لحماية حدودها يمثل دليلاً ساطعاً على سقوط عقيدة الدفاع الذاتي، وهو هنا في النموذج السعودي اعتراف عملي بأن قوات الرياض لا تملك القضية التي تمكنها من الصمود أمام بأس المقاتل اليمني.

وتتأكد أبعاد هذا العجز ويتعمق المأزق الاستراتيجي بالانتقال من استئجار المرتزقة إلى الهرولة نحو بناء تفاهمات وتنسيقات أمنية وعسكرية مع الكيان الصهيوني. إذ كشفت القناة “14” العبرية المقربة من رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو، عن لقاءات جمعت الأخير ومسؤولين في الكيان مع أطراف سعودية، مؤكدة بأن هدف الاجتماع كان لبحث تحالف يضم الكيانَين السعودي والصهيوني ضد اليمن. وأشارت القناة الصهيونية إلى أن التنسيق تناول بحث نشر واستخدام منظومة ما تسمى بـ “القبة الحديدية”، وهو الذي رأى فيه مراقبون محاولة لترميم سمعة الدفاعات الجوية السعودية المفككة، وفشل التعامل مع الصواريخ والطائرات المسيرة اليمنية التي نجحت في خرق أعتى المنظومات الغربية والأمريكية.

وحول هشاشة هذا التنسيق الإقليمي، أشارت صحيفة “هآرتس” العبرية إلى أن “الحديث عن ترتيبات أمنية مشتركة لمواجهة القدرات اليمنية يصطدم بواقع تعاظُم القوة البحرية والصاروخية لليمنيين، والتي أثبتت كفاءة عالية في تجاوز المنظومات الرادارية المتقدمة”. كما شدد موقع “ميدل إيست آي” البريطاني على أن “المراهنة على التحالفات الخارجية أو الاتفاقات الضمنية لم يوفر لكيانات المنطقة التغطية الأمنية المطلوبة أمام الابتكار العسكري المستمر للجانب اليمني”.

ولا شك إن هذا التنسيق الذي تسربت كواليسه يعبر عن إقرار غير معلن بقوة وقدرة اليمن. غير أن الإعلام العبري ذاته شكك في نجاعة هذه الترتيبات، مؤكداً سرعة انهيارها أمام الصلابة اليمنية، إذ قال موقع “أراب إكسبيرت” العبري إن ترتيبات الدفاع والتنسيق تظل حظوظها ضئيلة في مواجهة الإصرار اليمني.

اعتراف بتعاظم القوة اليمنية

الاعتراف بالقدرات اليمنية كتحول إستراتيجي شل الحسابات البحرية والعسكرية للتحالف الغربي والصهيوني خلال السنوات القليلة الماضية. وقد أقرت وسائل إعلام عبرية بوجود حالة رعب متصاعدة داخل كيان الاحتلال وبشكل غير مسبوق في ظل الإدراك بأن القوة اليمنية تتعاظم.

في هذا السياق، أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تحليل لها أن “الهجمات البحرية والعمليات اليمنية المتواصلة أحدثت إرباكاً واسعاً في حركة الملاحة الدولية، وشلت كفاءة الخطط الأمنية الغربية، ما أظهر عجز واشنطن وحلفائها عن فرض حل عسكري أو امتلاك قرار حركة الممرات البحرية وحماية ملاحة الحلفاء”.

هذا الاعتراف العبري الصريح يوضح سبب ذعر الرياض؛ فالنظام السعودي يعي قبل غيره أنه إذا كانت الإمكانيات العسكرية الأمريكية والتقنيات الإسرائيلية عاجزة عن حماية أهدافها ومصالحها أمام الضغط اليمني، فإن ادعاءات “الردع الذاتي” التي تسوِّقها الرياض لا تعدو كونها مناورة لفظية مفرغة من أي قدرة ميدانية.

كما كشف الإعلام العبري عن أبعاد الفشل المتراكم للخيارات السعودية، موضحاً أن عدة صحف صهيونية تابعت الرفض الأمريكي الجديد الصارم للطلبات السعودية بشأن توسيع التدخل العسكري المباشر، معتبرة ذلك “صفعة أمريكية”، حيث باتت واشنطن تدرك أن أي اندفاع عسكري جديد ضد اليمن سيعمق الفشل ويزيد من حجم الخسائر في البحر الأحمر والمنطقة، ولن يكون بمقدوره تحييد القوة الضاربة التي تشكلت في جنوب الجزيرة العربية.

من جهتها، أكدت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن “تضاؤل الخيارات العسكرية لدى الرياض وواشنطن أمام الإصرار اليمني وضع التحالف الغربي في أزمة إستراتيجية مفتوحة جعلت معركة السيطرة والردع تتراجع لصالح معادلات جديدة يفرضها الميدان”.

وبالنظر إلى الكم الكبير من التقارير والشهادات الصادرة عن وسائل الإعلام والاستخبارات الغربية والصهيونية في هذا الجانب، يتأكد أن معركة اليمن ليست معركة تسليح أو حشد حلفاء، وإنما هي معركة إرادة وعقيدة وقضية. والخطابات الرسمية الصادرة من الرياض ليست إلا أداة للاستهلاك الداخلي والتغطية على واقع استراتيجي مأزوم تؤكد فيه الوقائع أن صاحب الأرض والقضية هو من يمسك بقواعد اللعبة وينجز الردع الميداني الحقيقي على الأرض.

سقوط معادلة الردع التقليدية

سقطت -إذاً- السردية التقليدية للردع السعودي بطريقة غير قابلة للترميم. والمحاولات الدؤوبة للهروب إلى الأمام لم تزد الواقع السعودي إلا انكشافاً وتعقيداً. وتُبين التحركات السعودية المذعورة بوضوح كيف أنها تعاني من “أزمة قضية” و”عجز عقيدة”؛ فالجيوش التي تفتقد للحق والسيادة لا يمكنها استعادة الهيبة عبر الترسانات المستوردة أو التصريحات المصاغة بلغة الوعيد. بينما نجح اليمن -عبر تمسكه بقضيته العادلة وحقه الأصيل في الدفاع عن أرضه وسيادته- في تحويل موازين القوى وإعادة تشكيل خارطتها في المنطقة، بفرض معادلات ردع جديدة باتت تُربك واشنطن و”تل أبيب” وعواصم الغرب قبل أن تُربك الرياض.

ووفق ذلك فإن المستقبل لا يبدو أنه يحمل للرياض سوى خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في إنكار الواقع والاعتصار بين رحى الاستنزاف الميداني المستمر دون إنجاز أي ردع حقيقي، أو التسليم بالواقع الجديد الذي أوجده الصمود اليمني، والاعتراف بأن القوة الذاتية الحقيقية لا تُستجلب بالمال أو المرتزقة، بل تنبع من امتلاك الأرض والأخلاق والقضية.
نقلا عن موقع أنصار الله

Comments are closed.