النص الكامل للمحاضرة الـ 20 بذكرى استشهاد الإمام علي عليه السلام لقائد الثورة السيد عبد الملك 1447هـ
النص الكامل للمحاضرة الـ 20 بذكرى استشهاد الإمام علي عليه السلام لقائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
شهر رمضان كله شهر خيرٍ ورحمةٍ وبركة:
– يفتح الله فيه المزيد من أبواب فضله وكرمه.
– ويضاعف الأجور على الأعمال الصالحة، والعبادات، والطاعات المقرِّبة إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
– وكذلك يفتح فيه لعباده أبواباً واسعةً من الخير، ويهيِّئ لهم الفرصة للارتقاء الإيماني.
– وكذلك يهيِّئ لهم المعونة في التَّزوُّد بالتقوى، وهي المكسب الكبير جدًّا: على المستوى التربوي، وعلى مستوى الأعمال المهمة، وما يترتب عليها من نتائج، وعلى مستوى علاقة الإنسان بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
ثم العشر الأواخر منه لها أهمية كبيرة، سواءً فيما يتعلَّق بالتماس ليلة القدر، التي هي محتملةٌ فيها أكثر من غيرها، وكذلك أيضاً في الاستثمار لما بقي من الشهر الكريم، عادةً يكون البعض من الناس قد ملَّ، أو تعب؛ فيتَّجه إلى تخفيض اهتمامه، وإلى تقليل مدى عنايته بما تبقى من شهر رمضان، والبعض من النَّاس تنصرف اهتماماتهم ابتداءً نحو متطلبات العيد، وما بعد شهر رمضان… إلى غير ذلك، ولكن من المعروف في كل المصادر الحديثية الأساسية للأُمَّة، عن رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ”، أنَّه كان يولي العشرة الأواخر المزيد من الاهتمام، سواءً في العبادة، في الذكر، في الدعاء، في التَّقَرُّب إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في الحث على ذلك؛ ولهذا من المهم أن يحرص الإنسان فعلاً على الاستفادة مِمَّا تبقى من شهر رمضان المبارك، وأن يسعى لتكثيف اهتمامه فيما يتعلَّق بالدعاء، والذكر، والأعمال الصالحة، والاستقامة، والتقوى، والتماس ليلة القدر.
ليلة القدر ليلةٌ عظيمة الشأن، من حيث أهميتها:
– فيما يتعلَّق بشؤون الناس، هي ليلةٌ ذات أهمية كبيرة في تدبير شؤون الناس على المستوى التفصيلي، كما في الآيات القرآنية التي تؤكِّد على ذلك.
– وأيضاً في مضاعفة الأجر.
– وفضائل وبركات أخرى.
وفي القرآن الكريم سورة كاملة تبيِّن عظمة هذه الليلة، وهي في السياق بيان عظمة القرآن الكريم، قال الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}[القدر:1-5].
فهي ليلة لها علاقة بتقدير الله لشؤون عباده، في تدبيره لأمورهم وأحوالهم، والإنسان بحاجة إلى رحمة الله، بحاجة إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، كل إنسان على المستوى الشخصي في مسيرة حياته، في اهتماماته، في شؤون حياته، أو في الشأن العام، وواقع هذه الأُمَّة كأُمَّة، واقعنا نحن كمسلمين، في أمسِّ الحاجة إلى الرجوع إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، إلى الدعاء، إلى الذكر، إلى التَّقَرُّب إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، إلى التركيز على الأدعية الهامة الجامعة، من مثل:
– دعاء الربَّانيين، الذي ذكره الله لنا في القرآن الكريم: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[آل عمران:147]، دعاء عظيم، والأُمَّة في أمسِّ الحاجة إليه.
– وكذلك دعاء مهم، دعاء الراسخين في العلم؛ للتثبيت على الهدى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[آل عمران:8]، هو من أهم الأدعية وأعظمها، والإنسان بحاجة إلى هذا الدعاء، بحاجة إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أن يثبِّته على الحق والهدى، في طريق الحق، طريق الهداية، وأن يحفظه من كلِّ أسباب الزيغ.
– وكذلك الدعاء العظيم، دعاء أصحاب الكهف: {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}[الكهف:10]، دعاء له مدلول عظيم، ومهم، وعميق.
– وكذلك الدعاء الجامع لخير الدنيا والآخرة، هو من أعظم الأدعية، ومن أهمها: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[البقرة:201].
– هناك أيضا الأدعية التي تمَّ إعدادها وتوزيعها، وهي أدعية جيدة ومفيدة، ومختارة من روايات، ومن أدعية مأثورة.
– وهناك الأدعية المأثورة أيضاً؛ إنما للتقريب، ولأهمية الأدعية القرآنية، ألَّا ينساها الإنسان، وأن تكون في مقدِّمة ما يستفيد منه من الأدعية.
هــذا فيمـــا يتعلَّـق بالاغتنـــام للعشـــر الأواخــر:
– في الإكثار من ذكر الله.
– في الاهتمام بالدعاء.
– في الإقبال إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
– مع الاهتمام بالأعمال الصالحة بشكلٍ عام، بمختلف الأعمال التي هي في إطار المسؤولية، في إطار الفرائض، فيما يتعلَّق بالجهاد في سبيل الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والمهام الجهادية… وغير ذلك.
أولى الليالي العشر: ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان المبارك، فيها ذكرى استشهاد أمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وهي ذكرى لفاجعةٍ كبرى في تاريخ الأُمَّة الإسلامية، ولخسارةٍ رهيبةٍ وكبيرةٍ للأُمَّة الإسلامية، تسبَّب بها أشق الأُمَّة، المجرم اللعين (ابن ملجم)، الذي نفَّذ تلك الجريمة، جريمة الاغتيال لأمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في مسجد الكوفة، في خروجه لصلاة الفجر (سنة أربعين للهجرة النبوية).
لِمَا كان لهذه الجريمة الرهيبة، في الاستهداف لأمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، من تأثيرات خطيرة على واقع الأُمَّة، وصف رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” قاتل أمير المؤمنين “عَلَيْهِ السَّلَامُ” بأنه أشقى الأُمَّة، وشبَّهه بعاقر ناقة نبي الله صالح، الناقة التي جعلها الله آيةً لثمود، وحينما قتلها؛ جلب الشقاء على أُمَّته ذلك القاتل الذي قتلها، وقاتل أمير المؤمنين “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، الذي نفَّذ جريمة الاغتيال التي خططت لها قوى النفاق في الأُمَّة، ولربما أيضاً لليهود دورٌ في ذلك مع حركة النفاق، كانت فعلاً كارثة على الأُمَّة؛ لأن حركة النفاق وقوى النفاق، بقيادة طغاة بني أمية آنذاك، استغلت الفرصة الكبيرة ما بعد استشهاد أمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، والآثار التي نتجت عن ذلك في الساحة الإسلامية؛ فعملت على السيطرة على الأُمَّة الإسلامية.
وحينما تمكَّنت قوى النفاق من السيطرة على الأُمَّة الإسلامية، بقيادة طغاة بني أمية، فعلوا ما حذَّر منه رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” أُمَّته، حين حذَّرها منهم، فـ ((اتَّخَذُوا دِيْنَ اللهِ دَغَلاً))، وهذه كانت جناية خطيرة كبيرة جدًّا على الأُمَّة، امتدَّت أضرارها وآثارها في الأُمَّة جيلاً بعد جيل؛ لأنهم استهدفوا هذه الأُمَّة في أعظم وأهم ما تحتاج إليه، وهو دينها، ركَّزوا على تحريف المفاهيم الدينية: قدَّموا مفاهيم زائفة، محسوبة على الدين الإسلامي، وحرَّفوا مفاهيم كبرى من مفاهيم الإسلام، وجعلوها محسوبةً على الإسلام، يتديَّن بها من يتمكنون من إضلاله، وتتوارثه الأجيال وفق ذلك؛ فكانت لها آثارها السلبية جدًّا على الناس في نفوسهم، في حياتهم، وأفقدوا الأُمَّة الثمرة العظيمة للإسلام: في أن تكون أُمَّةً عزيزةً، قائمةً بالقسط، مهتديةً، هاديةً، تتحرك بدورها العظيم بين الأمم، في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ وبالتالي اتَّجهوا بها نحو الانحدار شيئاً فشيئاً فشيئاً، إلى أن وصلت هذا العصر إلى الوضعية التي وصلت فيها، في حالة الذِّلَّة والمسكنة، أن تمكَّن أعداؤها الذين ضرب الله عليهم الذِّلَّة والمسكنة، من إذلالها، وهذه خسارة رهيبة جدًّا.
((اتَّخَذُوا دِيْنَ اللهِ دَغَلاً، وَعِبَادَهُ خَوَلاً)): دجَّنوا الأُمَّة، استعبدوها، جعلوا العلاقة ما بينهم وبين الأُمَّة من موقع السلطة والحكم، علاقة استعباد للأُمَّة، مصادرة لحُرِّيَّتها، وكرامتها، ودينها؛ وبالتالي الإخضاع الكامل لها وفق أهوائهم، وأذلُّوها، حالة الإذلال كانت من سياساتهم المعتمدة.
((وَمَالَهُ دُوَلاً)): نهبوا ثروات الأُمَّة واستغلوها غاية الاستغلال؛ فلذلك كانت هذه أيضاً من أكبر الخسارات التي مُنِيت بها الأُمَّة، نتيجةً لاستهداف أمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في تلك المرحلة الحسَّاسة.
ثم الجريمة أيضاً فظيعة بمعيار: (من استهدفت تلك الجريمة)، جريمة الاغتيال لأمير المؤمنين “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، في مقامه العظيم، كوليٍّ من أولياء الله، وهو الصديق الأكبر، الذي له مرتبة إيمانية عالية جدًّا، وفي دوره المهم في الأُمَّة، ومنزلته العظيمة في الإسلام، وهو الذي قال عنه رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”: ((أَنتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))، هذه المنزلة تبيِّن لنا دور أمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في الإسلام، في الأُمَّة، في إقامة دين الإسلام، ومنزلته من رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”.
كذلك في الحديث النبوي الشريف، الذي يبيَّن لنا اقتران عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ” بالقرآن الكريم: ((عَلِيٌّ مَعَ القُرْآنُ، وَالقُرْآنُ مَعَ عَلِي))، واقترانه بالحق: ((عَلِيٌّ مَعَ الحَقّ، وَالحَقُّ مَعَ عَلِيّ)).
تبيَّن لنا دوره في الأُمَّة، الدور المهم جدًّا، في الحديث النبوي الشريف، في حديث الولاية المعروف بحديث الغدير، حينما قال رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” وهو يخاطب الجموع، وهو عائدٌ من مكَّة، في الجحفة، في غدير خم، يخاطب الجموع من المسلمين في بلاغٍ للأُمَّة يمتد عبر أجيالها: ((يَا أَيُّهَا النَّاس، إِنَّ اللَّهَ مَوْلَايَ، وَأَنَا مَولَى المُؤمِنِين، أَولَى بِهِم مِنْ أَنفُسِهِم، فَمَن كُنْتُ مَولَاهُ، فَهَذَا عَلِيٌّ مَولَاه، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاه، وَعَادِ مَنْ عَادَاه، وَانصُر مَنْ نَصَرَه، وَاخذُل مَنْ خَذَلَه)).
وهكذا نجد النصوص الكثيرة، المعروفة بين الأُمَّة بمختلف مذاهبها وطوائفها، التي تبيِّن لنا منزلة أمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في الأُمَّة، ودوره العظيم في امتداد الإسلام بنقائه وصفائه، وإسهامه العظيم: في إقامة هذا الدين، في إحياء هذا الدين، في إيصال هذا الحق للأجيال، في مقارعة قوى الكفر وهو يجاهد مع رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، ثم قوى النفاق، كان كما أخبر عنه رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، أَنَّهُ: ((يُقَاتِل عَلَى تَأويلِ القُرْآن))، كَمَا قَاتَلَ النَّبِيُّ عَلَى تَنْزِيلِه، وهو قاتل على تنزيل القرآن كجنديٍّ ومؤازرٍ لرسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، ثم قاتل على تأويله.
ولهذا فبالرغم مِمَّا حدث من جناية كبيرة على الأُمَّة، لاستهداف قوى النفاق لأمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، لكن إسهامه العظيم في خدمة الإسلام، وجهوده، وجهاده مع رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، وفيما بعد ذلك، كذلك دوره الكبير جدًّا في الحفاظ على نقاء الإسلام وصفائه، كل هذا بقي له أثره العظيم، فبقي للحق امتداده عبر الأجيال، حتَّى وإن كان محارباً في واقع الأُمَّة، بقي النموذج الأصيل النقي للإسلام فيما قدَّمه أمير المؤمنين “عَلَيْهِ السَّلَامُ” للأُمَّة من نور الهدى، وهو باب مدينة علم النبي “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، كما في الحديث النبوي الشريف: ((أَنَا مَدِينَةُ العِلمِ، وَعَلِيٌّ بَابُهَا))، وأيضاً في ما جسَّده من قيم ومبادئ وأخلاق، وهو كان الشاهد على عظمة الإسلام، في تجلِّي الإسلام في واقعه، في نفسه، في علمه، في حكمته، في كماله الإنساني الراقي، في كماله الإيماني والأخلاقي، في مسيرة حياته، في عطائه العظيم.
في محاضرة الليلة، سَنُطِل على هذه المدرسة العظيمة، التي هي مدرسة للإسلام متكاملة، لنقتطف بعضاً من حِكَم أمير المؤمنين “عَلَيْهِ السَّلَامُ” ووصاياه القيِّمة، يعني: نماذج محدودة، ما تركه للأُمَّة هو إرثٌ عظيمٌ من الهدى والنور والحكم.
من ذلك: حين بشَّره النبي “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” بالشهادة، حين أخبره بالشهادة، بأنه سيختم له بالشهادة، هي بالنسبة لأمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ” بشرى، بشرى سارة، يطمح إليها، يطلبها، ويسعى لها، فرسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” أخبره عن ذلك، وقال له: ((فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً؟ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ الله، لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْر، وَلَكِن مِنْ مَوَاطِنِ البُشْرَى وَالشُّكْر))، هكذا كانت نظرته للشهادة في سبيل الله، وهو الذي انطلق في مسيرة حياته على أساس قول الله “تَبَارَكَ وَتَعَالَى”: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:162]، سعى أن تكون كل حياته لله، وأن يكون مماته شهادةً في سبيل الله؛ ولذلك اعتبر هذه من البشارات الكبرى التي يشكر الله عليها، سواءً حين الإخبار، أو حتَّى حين تحدث.
كذلك في مقامٍ آخر، حين أخبره وقال له: ((سَتُخْضَبُ هَذِهِ مِنْ هَذَا))، وأشار إلى لحيته ورأسه الشريف، فقال: ((أَفِي سَلَامَةٍ مِنْ دِيْنِي يَا رَسُوْلَ الله؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: إِذاً لَا أُبَالِي))، وهذا درسٌ عظيمٌ جدًّا، ومهمً للغاية، تحدَّث عنه شهيد القرآن بما فيه الكفاية.
وفعلاً من أهمِّ ما ينبغي أن يركِّز عليه كلُّ إنسانٍ مسلم، هو: سلامة دينه، مهما كانت المخاطر، مهما كانت التحديات، حينما تموج أمواج الفتن، وحينما تعصف عواصف الأحداث والمخاطر، أهم ما ينبغي أن يركِّز الإنسان عليه في حساباته واعتباراته، هو: سلامة دينه، سلامة دينه كيف يبقى دينك سالماً حتَّى في الموقف الذي تقفه، أن تقف الموقف الذي يتوافق مع دينك، مع مبادئ دينك، مع قيم دينك.
الموقف أيضاً الذي فيه الحفاظ على استقامة وقيام أمر هذا الدين في واقع الحياة، إذا خسر الإنسان سلامة دينه؛ فهي خسارة لا يعوِّضها شيء أبداً، حتَّى لو حاز الدنيا بحذافيرها، فهي لا شيء في مقابل خسارته الكبيرة جدًّا، يعني: الإنسان لو حصل في هذه الدنيا على ما حصل عليه فهي متاعٌ قليل، زائل، ومنتهٍ، مع أن هذه الأُمَّة- وللأسف الشديد- لمَّا اتَّجهت حساباتها نحو سلامة دنياها، بدلاً من سلامة دينها؛ لم تسلم لها دنياها، ولم يسلم لها دينها؛ فخسرت الأمرين معاً، وهذه النتيجة؛ لأن الدين عزةٌ للأُمَّة، صلاحٌ للأُمَّة، كرامةٌ للأُمَّة، حياةٌ للناس، منعةٌ لهم؛ فتسلم تبعاً لذلك دنياهم، بل يؤدُّون دورهم في هذه الدنيا في الاستخلاف في الأرض، وفق تعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهديه، ودينه، فيقدِّمون النموذج الحضاري الراقي المتميِّز، لكن في تفريطهم بدينهم يخسرون كل شيء: دنياهم، ويخسرون آخرتهم، ودينهم، فتكون الخسارة رهيبة جدًّا.
فأمير المؤمنين عليٌّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وهو تلميذ رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ”، أعظم تلميذ على مدى التاريخ، في كل مسيرة الأنبياء، في من اهتدى بهديهم، واستنار بنورهم، أمير المؤمنين عليٌّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ” هو باب مدينة العلم، هو الأُذُن الواعية، النموذج الأول للأُذُن الواعية؛ ولهذا كان يستوعب كلياً هذا المفهوم العظيم، في نفس الوقت في تربيته الإيمانية، في انشداده إلى الله، يمتلك حتَّى في مشاعره واهتمامه النفسي هذا الاهتمام الكبير بسلامة الدين.
حين أصيب (فجر ليلة التاسعة عشر من شهر رمضان)؛ لأنه أصيب في عملية الاغتيال الغادرة، التي نفَّذها ابن ملجم اللعين ومن معه، في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان، ثم التحق بالرفيق الأعلى شهيداً سعيداً في (ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان)، لحظة إصابته، قال كلمته الشهيرة العظيمة، التي سجَّلها التاريخ: ((فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَة))، هذه العبارة العظيمة في تلك اللحظة الحسَّاسة جدًّا، وهي اللحظة التِّي قد يعتبر أكثر الناس نفسه فيها أنه خسر حياته، خسر ما في هذه الحياة، ويكون في وضعية المنشغل بحال نفسه وإصابته، لكن أمير المؤمنين علياً “عَلَيْهِ السَّلَامُ” حتَّى مع كل أعماله العظيمة، رصيده الإيماني العظيم في الجهاد بأعلى وأرقى مستوى مع رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، والمواقف العظيمة والخالدة التي سجَّلها التاريخ، وسُجِّلت له في سيرة رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ”، في كل أعماله وجهوده العظيمة المتنوعة:
– في المؤازرة والنصرة لنبي الإسلام.
– في خدمة الإسلام.
– في خدمة المسلمين.
– في القرب العظيمة إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
– في مقدمة ذلك: السبق إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، السبَّاق بنموذجٍ راقٍ ومتميِّز، أرقى وأكمل نموذج في الإيمان والعمل الصالح.
لكنَّه كان يعتبر الشهادة مقاماً رفيعاً، مع كل ما قد عمل، يرى الشهادة مقاماً عظيماً يطمح له، ويأمل في الوصول إليه؛ ولذلك اعتبر أن الشهادة هي فوزٌ عظيم، وأنَّه حينما نالها فاز هذا الفوز العظيم، وأنها منزلة رفيعة.
إضافةً إلى أنه فاز؛ لأنه ختم حياته بالشهادة، وهو يسير في طريقٍ يفوز من يسير عليها: عاش حياته كلها لله، مجاهداً في سبيل الله، متقرِّباً إلى الله بأعظم الأعمال.
من كلامه “عَلَيْهِ السَّلَامُ” عن الجهاد في سبيل الله، قال “عَلَيْهِ السَّلَامُ”: ((أَمَّا بَعْدُ))، وهذا في خطبةٍ له، ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّة، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيائِه))، هكذا نظرته إلى الجهاد، هي نظرة القرآن الكريم، نظرةٌ عظيمة، تُقدِّس الجهاد في سبيل الله، ترى فيه كل نتائجه العظيمة، كل مكاسبه الكبرى.
البعض الناس كيف ينظرون إلى الجهاد؟ الأكثر من الناس ينظرون إلى جانب المشاق والمخاطر فيه، ثم يترتب على ذلك مشاعر سلبية:
– كُرهٌ للجهاد.
– نُفُورٌ من الجهاد.
– استياءٌ من الجهاد.
لكن من يرى أهميته، ضرورته، موقعه في القربة إلى الله بين الأعمال الصالحة، مكاسبه الكبرى، نتائجه العظيمة؛ ينجذب، ينشد.
فهو يُقَدِّم الصورة الحقيقية للجهاد وعظمته وأهميته: ((بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّة))، فعلاً القرآن الكريم يؤكِّد على هذه الحقيقة، إلى درجة أنَّ الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” قال في القرآن: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}[آل عمران:142]، فالاتِّجاه في الجهاد هو اتِّجاه إلى الجنة، اتِّجاه إلى بابٍ عظيمٍ من أبواب الجنة، قال عنه أمير المؤمنين: ((فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيائِه))؛ فالإنسان المؤمن يهمه أن يعمل الأعمال التي تُقَرِّبه إلى الله، وتكون سبباً للفوز العظيم بجنة الله، بالنعيم الأبدي العظيم.
((وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى))؛ لأن الجهاد في سبيل الله تتحقَّق به التقوى؛ لأنه من منظومة الإسلام المتكاملة، وفي نفس الوقت من خلاله يمكن أن تستقيم الأُمَّة، أن تقيم أمر الله، أن تقيم دين الله، أن تلتزم بتعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ فهو في التقوى بمثابة اللباس، له أهميته الكبرى، ثم هو في نفسه أيضاً من أهم التقوى، يعني: من أهم مجالات التقوى لله.
((وَدِرْعُ اللهِ الحَصِينَة، وَجُنَّتُهُ الوَثِيقَة))، درع الله لمن؟ هل لله نفسه؟ الله هو الغني الحميد، درع الله لعباده، درع تتحصَّن به الأُمَّة، تمثِّل لنفسها به، وتوفر لنفسها به: الحماية، المَنَعَة، العِزَّة في مواجهة الأعداء.
الأُمَّة إذا تحرَّكت على أساس الجهاد في سبيل الله، وسعت بناءً على ذلك للأخذ بأسباب النصر، واهتمَّت بإعداد ما تستطيعه من القوَّة؛ لأن هذا من لوازم الجهاد، الجهاد لوازمه العملية:
– فيها إعدادٌ لما تستطيعه الأُمَّة من القوَّة في كل المجالات.
– فيها أخذٌ بأسباب النصر.
– فيها سعيٌ عمليٌ نحو الارتقاء وبناء القدرات في كل المجالات.
فالأُمَّة تكون في حالة منعة وعِزَّة، وتكون مُهابةً عند الأعداء؛ لأن الأعداء ينظرون إليها نظرةً مختلفة، يرون فيها أُمَّةً شجاعةً قويةً، جاهزةً لمواجهة الأعداء، ومواجهة المخاطر والتحديات، أُمَّةً متوثِّبة لمواجهة أعدائها.
هناك فارق كبير جدًّا في النظرة من جهة الأعداء أنفسهم إلى الأُمَّة، حينما تكون الأُمَّة مستسلمة، خانعة، ذليلة، خاضعة، بائسة، تتبنى الضعف، وأسباب الضعف، وتتجرَّد من كلِّ عناصر القوَّة، وتتَّجه الاتِّجاه الذي يمكِّن أعداءها منها، ويخضعها لأعدائها أكثر؛ هذا يطمع أعداءها فيها، وهم أعداء سيئون، في مقدِّمة الأعداء من؟ اليهود، {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ}[المائدة:82]، الكافرون ومن يواليهم هم الأعداء بكل ما هم عليه من شر، من سوء، من حقد، من إجرام، من طغيان، من طمع؛ وبالتالي يتجرؤون جدًّا على الأُمَّة حينما يرونها في حالة ذلة، وخنوع، وخضوع؛ فالجهاد هو درع الله الحصينة لعباده، للمؤمنين، للمسلمين، للأُمَّة.
((وَجُنَّتُهُ الوَثِيقَة))، جُنَّة تمثِّل مترساً لحماية الأُمَّة.
((فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ)): لا يريده، يكرهه، ((أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّل، وَشَمِلَهُ البَلَاء، وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالقَمَاءَة))، ((أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّل)) هذه حالة خطيرة جدًّا، وعبارة: ((أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّل)) عبارة رهيبة جدًّا، فعلاً الأُمَّة بتخليها عن الجهاد؛ تتحوَّل إلى أُمَّة ذليلة، تغلب عليها حالة الذِّلَّة، تغطيها حالة الذِّلَّة؛ فتصل إلى أسوأ مستوى من الذِّلَّة، حتَّى تفقد روح الشجاعة، روح الشهامة، وروح الرجولة، وتتحوَّل إلى أُمَّة ذليلة بكل ما تعنيه الكلمة: في الحالة النفسية، في الحالة العملية، في المواقف… في كل شيء، حالة رهيبة جدًّا، ولا تسلم: ((وَشَمِلَهُ البَلَاء)):
– يأتيها شرُّ الأعداء من جهة.
– والتسليط من الله عليها من جهةٍ أخرى.
((وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالقَمَاءَة)): يتحوَّل إلى حقير، دنيء، ذليل، ليس له أي وزن، أي اعتبار، أي منعة، أي عِزَّة، حالة رهيبة، هي الحالة التي نرى عليها واقع معظم الأُمَّة الإسلامية تجاه الأعداء، هي نفس هذه الحالة، حالة ذلِّة مخزية للغاية.
((وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَاب))، وفي بعض المصادر: ((بِالْأَسْدَاد))، وهذا من أخطر العقوبات؛ لأن هذا كله عقوبات، يعني: هناك قائمة عقوبات للأُمَّة، وللمتخاذلين عن الجهاد في سبيل الله، في مقدِّمتها: الذِّلَّة، يعاقبهم الله بالذُّل، عقوبة رهيبة جدًّا، يسلبهم من أنفسهم وفي واقعهم روح الشجاعة، روح الإباء، روح العِزَّة؛ فيستبدلون بدلاً عن العِزَّة، بدلاً عن الإباء، بدلاً عن الشهامة، بدلاً عن الغيرة، عن الرجولة، عن كل معاني العز، الذُّل، ويلبسونه، يصبح الصفة البارزة عليهم، الشيء الواضح في واقعهم، ومع ذلك أيضاً بعقوبة من الله يسلِّط عليهم الأعداء، ((وَشَمِلَهُ البَلَاء))، ويكونون بلا وزن، بلا اعتبار، بلا قيمة؛ يسحقهم الأعداء، يستخفون بهم، يذلُّونهم، يستعبدونهم، يقهرونهم.
((وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَاب))، إذا قلنا: ((بِالْإِسْهَاب))، فمعنى ذلك: أنَّه يتحول إلى إنسان لا فاعلية له في الحياة، ليس له دور فعلي مؤثِّر، قد يكون مثلاً كثير الكلام من دون فائدة، أو له دور هامشي، على الهامش، ليس له أي عمل مهم، مفيد، مؤثِّر، نافع؛ أمَّا ((بِالْأَسْدَاد)) واضح، وعلى كِلا الحالتين، يعني: أنَّه يتحوَّل إلى إنسان قليل الفهم، قليل الوعي، أو منعدم الوعي، وهذه حالة الكثير من المتخاذلين عن الجهاد، يُسلبون التوفيق، ويُسلبون الوعي؛ فيتحوَّلون إلى حالة رهيبة جدًّا، عبَّر عنها القرآن الكريم في قول الله تعالى: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ}[التوبة:87]، ينعدم فهمه حتَّى للأحداث، لخطورتها، لأهميتها، للموقف منها؛ فيكون بدون فهم، بدون وعي، بدون بصيرة؛ نظرته خاطئة، فهمه للأمور معكوس، نظرته إلى القضايا نظرة خاطئة.
((وَأُدِيلَ الحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الجِهَاد)) وفعلاً، الحق يبقى له أعوانه أنصاره، من يتحرَّكون في إطاره، لكن من يتخاذل؛ ابتعد عن الحق، لا بقي في عداد القائمين بالحق، والمتمسكين بالحق، والثابتين على الحق، والحق يبقى له هناك من ينصره؛ ولا يبقى له حق، الإنسان إذا ترك الجهاد، يخرج عن نطاق الحق، ويخسر الحق.
((وسَيْمَ الخَسْف)): يُكلَّف ما فيه المشقَّة، والقهر، والذُّل، والعَنَت.
((وَمُنِعَ النَّصَف)): لا يلقى الإنصاف، وفعلاً أُمَّتنا الإسلامية أضاعت الجهاد في سبيل الله، هل أنصفتها الأمم المتَّحدة، ومجلس الأمن؟ قضايا لها ثمانين سنة، مائة سنة، خمسين سنة، أربعين سنة، قضايا كبرى لشعوب، قضايا مصيرية، لا تلقى فيها أي إنصاف.
من كلامه “عَلَيْهِ السَّلَامُ”: ((أَلَا وَإِنَّ الشِّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَه))، تَحَرُّك أولياء الشيطان هو تحرُّكٌ خطير على الأُمَّة؛ لأنهم أولياء الشيطان، يرتبطون بالشيطان، يتحرُّكون بشرِّهم، بضلالهم، بفسادهم، بطغيانهم، ومثل هذا التَّحَرُّك لأولياء الشيطان، يجب أن يقابله تحرُّك المؤمنين بوعيهم، ببصيرتهم، بمسؤوليتهم، بدورهم الفاعل في الحياة؛ أمَّا إذا تصورنا أنَّ من يفترض بهم أن يواجهوا التَّحَرُّك الشيطاني ينكمشون، يتنصَّلون عن مسؤولياتهم، يفرِّطون في واجباتهم، فمعنى ذلك: أنَّ لديهم خلل كبير:
– إمَّا في بصيرتهم ووعيهم.
– وإمَّا أيضاً مع ذلك: في مستوى إيمانهم، وثقتهم بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وانشدادهم إلى الله.
وإلَّا فكيف يكون أولياء الشيطان أكثر اهتماماً، أكثر جدًّا، أنشط، وأكثر عطاءً لباطلهم، لضلالهم، مِمَّن يحسبون أنفسهم على أنهم في عِداد المؤمنين، في عِداد المسلمين، في عِداد أولياء الله؟!
((أَلَا وَإِنَّ الشِّيطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ خَيلَهُ وَرَجِلَه، وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي، مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي، وَلَا لُبِّسَ عَلَيِّ، وَيْمُ اللهِ)) هذا قسم، ((لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوضاً أَنَا مَاتِحُه، لَا يُصْدِرُونَ عَنْهُ وَلَا يَعُودُونَ إِلَيهِ))، يعني: يتحرَّك لمواجهتهم بالبصيرة العالية، بالوعي العالي، بالفهم الصحيح، بالرؤية الهادية، على أساس كتاب الله، وهدى الله، وتعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ وهذا ما تحتاج إليه الأُمَّة في مواجهة أعدائها من اليهود والنصارى وأعوانهم.
من كلامه “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، أيضاً في مقامٍ آخر، لأصحابه لمَّا سيطر الأعداء على الماء، قال: ((قَدْ اِسْتَطْعَمُوكُمُ القِتَال))؛ لأنهم سيطروا في منطقة المعركة والحرب على الماء؛ بهدف الضغط على جيش أمير المؤمنين “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وتعطيشهم والضغط عليهم للاستسلام، أو الخروج من المعركة.
((قَدْ اِسْتَطْعَمُوكُمُ القِتَال، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّة، وَتَأخِيرِ مَحَلَّه، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِن الدِّمَاء، تَرْوَوا مِن المَاءِ، فَالمَوتُ فِي حَيَاتِكُم مَقْهُورِين، وَالحَيَاةُ فِي مَوْتِكُم قَاهِرِين))، وهو يحرَّضهم على أن يستعيدوا الماء من يد الأعداء.
الأمة عليها أن تستوعب هذه العبارات المهمة: ((فَالمَوتُ فِي حَيَاتِكُم مَقْهُورِين)): أي قيمة للحياة لأُمَّةٍ تعيش فيها تحت القهر والذِّلَّة، ومن أسوأ أعدائها، وأشرِّ أعدائها، وأعدى أعدائها.
من كلامه “عَلَيْهِ السَّلَامُ”: ((إِنَّ أَكْرَمَ المَوْتِ القَتْل))، يعني: الموت أمر حتمي في واقع الناس، كل الناس سيموتون، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}[آل عمران:185]، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}[الرحمن:26]، لكن من لديه الوعي والبصيرة، يحاول أن يستثمر هذه النهاية المحتومة لكل إنسان، أن يستثمرها أشرف استثمار، لخدمة أقدس قضية: في سبيل الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ويستثمرها في القربة إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في القتل في سبيله، ((وَالَّذِي نَفْسُ بنِ أَبِي طَالِب بِيَدِه))، هذا قسم بالله، ((لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسِّيْف أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيْتَةٍ عَلَى الفِرَاش))؛ لأنه يدرك أهمية الجهاد، وشرف الشهادة في سبيل الله.
من أدعيته “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، دعاء عظيم، عميق المعنى، معبِّر ومؤثِّر: ((اللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الآنِسِينَ لِأَوْلِيَائِك، وَأَحْضَرُهُمْ بِالكِفَايَةِ لِلمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْك))، في الأنس بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، أعظم الناس أُنساً: هم أولياء الله؛ بأنسهم بالله، ليس هناك مصدر للأنس يمكن أن يمدك بالأنس عند كل الشدائد، عند كل وحشة، عند كل شدَّة، عند مواجهة كل كربٍ وخطر، مثل هذا المصدر العظيم: الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، بذكره، بالالتجاء إليه؛ كذلك في التَّوَكُّل على الله، من هو الذي يمكن أن يكفيك، أن يُمِدَّك، أن يعينك، أن يؤيِّدك، أن يساعدك، مثل ما هو الحال بالنسبة لمن يتوكَّل على الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ويعتمد على الله.
((وَأَحْضَرُهُمْ بِالكِفَايَةِ لِلمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْك، تُشَاهِدهُم فِي سَرَائِرِهِم، وَتَطَّلِعُ عَلَيْهِم فِي ضَمَائِرِهِم، وَتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِم، فَأَسْرَارُهُم لَكَ مَكْشُوفَة، وَقُلُوبُهُم إِلَيكَ مَلْهُوفَة))؛ ولذلك فأولياء الله يناجون الله حتَّى في قلوبهم، في شعورهم، في وجدانهم، مع دعائهم بألسنتهم، والله يعلم حتَّى ما في أنفسهم، بل مبلغ ما في أنفسهم.
((إِنْ أَوْحَشَتْهُمُ الغُرْبَة، آنَسَهُم ذِكْرُك، وَإِنْ صُبَّت عَلَيْهِمُ المَصَائِب، لَجَأُوا إِلَى الاِسْتِجَارَةِ بِكَ))، حتَّى في مواجهة مصائب هذه الحياة شدائدها، ما فيها من المخاطر، من التحديات، من المشاكل، من الصعوبات، من المصائب، يرجعون إلى الله، يستجيرون به.
((عِلْماً بِأَنَّ أَزِمَّةَ الأُمُورِ بِيَدِكَ وَمَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِك، اللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتِي))، يعني: عييت عن بيان ما أسألك وأرجوك، ((أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتِي)): لم أدرِ ما الذي أركِّز عليه في أن أطلبه، في أن أجعله أولوية في دعائي، في اهتماماتي، في ما أطلبه منك، ((فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي، وَخُذْ بِقَلْبِي إِلَى مَرَاشِدِي، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدَايَاتِكَ، وَلَا بِبِدْعٍ مِنْ كِفَايَاتِكَ))، يعني: ليس غريباً من فضلك الواسع في ما تهدي إليه، فيما تكفيه فيه، أَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ خَيْر، وليُّ كل نعمة، المحسن، المتفضل، العظيم، الكريم، أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، ((اللَّهُمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ، وَلَا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ)).
كذلك من وصيته للحسن والحسين “عَلَيْهِمَا السَّلَامُ” بعد إصابته، لمَّا أصابه ابن ملجم- لعنه الله- بالسيف: ((أُوْصِيكُمَا بِتَقْوَى الله، وَأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا))، لا تكن هي الهدف، لا تكن هي الوجهه والاهتمام يتَّجه نحوها؛ لأن الدنيا بكلها هي وسيلة وليست غاية، فالتَّوَجُّه نحو الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وما عند الله، وما يرضي الله، وبيده الدنيا والآخرة، ((وَلَا تَأسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا، وَقُولَا بِالحَقِّ)) يعني: مع تقوى الله، احرصا على القول دائماً بالحق، القول بالحق في مراحل معيَّنة، في ظروف معيَّنة، في قضايا كبيرة، من الأمور المهمة؛ لأن البعض من الناس قد يحرص على القول بالحق، لكن عندما تكون القضايا كبيرة، المقامات مقامات حسَّاسة، ومراحل صعبة، يسكت عن القول بالحق.
((وَاعْمَلا لِلأَجْر))، في القربة إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والرجاء فيما عند الله “جَلَّ شَأنُهُ”، ((وَكُونَا لِلظَالِمِ خَصْماً، وَلِلمَظْلُومِ عَوناً))، وهذا من أهمِّ الوصايا التي تحتاج إليها الأُمَّة في كل مراحل تاريخها، وفي هذا الزمن.
((أُوْصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى الله، وَنَظْمِ أَمْرِكُم، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَينِكُم، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” يَقُول: صَلَاحُ ذَاتِ البِين أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَام))، صلاح ذات البين من التقوى، من أهمِّ ما في تقوى الله؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}[الأنفال:1]؛ لأنه لابدَّ منه في تحقيق الأخُوَّة الإيمانية، والأخُوَّة الإيمانية هي أساس في أن تتحرَّك الأُمَّة المؤمنة بمسؤولياتها الكبرى: في الجهاد في سبيل الله، في الأمر بالمعروف، في النهي عن المنكر… في كل المهام والمسؤوليات الجماعية المهمة، القائمة على التعاون، التعاون على البر والتقوى، تحتاج إلى أُلفة، إلى أُخُوَّة، إلى تفاهم، إلى تعاون.
((الله اللهَ فِي الأَيْتَام، فَلَا تُغُبِّوا أَفْوَاهَهُم))، يعني: اهتموا بهم، احرصوا على أن يحظوا بالرعاية، بالغذاء، بالاهتمام، ((وَلَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُم))، وهذا يشمل الاهتمام من جوانب متعدِّدة بهم.
((وَاللهَ اللهَ فِي جِيرَانِكُم))، يعني: بالإحسان إليهم، بالإحسان إليهم، وفعل الخير إليهم، والمعروف تجاههم، ((فَإِنَّهُم وَصِيَّةُ نَبِيِّكُم، مَا زَالَ يُوصِي بِهِم حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُم)).
((وَاللهَ اللهَ فِي القُرْآن، لَا يَسْبِقُكُم إِلَى العَمَلِ بِهِ غَيْرُكُم))، ولاحظوا في الوصية تجاه القرآن، هي وصية مرتبطة بالعمل، وهنا الفجوة في واقع الأُمَّة في علاقتها بالقرآن الكريم، ربما قد يكون هناك اهتمام على نطاق واسع بالتلاوة، بالقراءة، لكن تقصير كبير جدًّا في مقام العمل، وبشكلٍ متكامل حتَّى في المسؤوليات المهمة والعظيمة.
((وَاللهَ اللهَ فِي الصَّلَاة))، يعني: في الاهتمام بها، وإقامتها، وأدائها، والحفاظ عليها، ((فَإِنَّهَا عَمُودُ دِيْنِكُم))، هذا تأكيد كبير عندما يقول: ((اللهَ اللهَ))، يحث على تقوى الله في ذلك، وعلى المراقبة واستشعار رقابة الله في ذلك، والحياء من الله، والتقوى لله.
((وَاللهَ اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُم، لَا تُخْلُوهُ مَا بَقِيْتُم))، يعني: يجب أن يبقى معموراً بيت الله بالحج، بالعمرة، بالصلاة، بالدعاء، الإحياء لبيت الله، بأن يبقى في دوره العظيم الذي أراده الله له، هنا بشكلٍ رئيسي التركيز أيضاً على الحج والعمرة، ((فَإِنَّهُ إِنْ تُرِك لَمْ تُنَاظَرُوا)).
((وَاللهَ اللهَ فِي الجِهَادِ بِأَمْوَالِكُم وَأَنْفُسِكُم وَأَلسِنَتِكُم فِي سَبِيلِ الله))، وهذا من التأكيد على أن يكون التَّحَرُّك في الجهاد في سبيل الله شاملاً: بالنفس، بالمال، باللسان.
((وَعَلَيْكُم بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُل))؛ لأن التواصل، والإحسان، والبذل للمعروف، مِمَّا يُعَزِّز حالة الإخاء والتعاون، ويرسِّخ الأُخُوَّة الإيمانية، وأهمية ذلك الكبرى- كما ذكرنا- في أُلفة المؤمنين، للتعاون في مهامهم الإيمانية الجماعية.
((وَإِيَّاكُم وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُع))؛ لأنه يؤدِّي إلى ماذا؟ إلى التَّفَرُّق، إلى الاختلاف، إلى التنازع، إلى الشتات، وضياع المسؤوليات الكبرى، والتفريط بها، والتمكين للأعداء.
((لَا تَتْرُكُوا الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنْكَر))؛ لأنها من أهم المسؤوليات حتَّى في استقامة الوضع الداخلي وصلاحه، ((فَيُوَلَّى عَلَيْكُم شِرَارُكُم، ثُمَ تَدْعُون فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُم))؛ لأنها إذا عُطِّلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تمكَّن الأشرار من التَّحَكُّم بالساحة، والسيطرة على الناس بشرِّهم، حينها لا ينفع الدعاء بالخلاص من شرِّهم؛ لأنه ناتج عن تفريط أدَّى إلى تمكينهم.
نكتفي بهذا المقدار.
نَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
Comments are closed.