المنبر الاعلامي الحر

العالم الرباني السيد بدر الدين الحوثي.. مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والجهاد الإيماني

يمني برس | يشكل رحيل العلماء الربانيين، خسارة فادحة لميادين العلم والعمل، وفي طليعة أعلام الأمة الذين تركوا بصمات في تاريخ اليمن المعاصر، العالم الرباني الراحل بدر الدين بن أمير الدين الحوثي، الذي مثلت حياته مسيرة حافلة بالعطاء الفكري، والجهاد الإيماني، والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الحق.

 

عاش العلامة بدر الدين الحوثي، عمراً مديداً، سخّر حياته لخدمة الدين، وترسيخ الوعي القرآني، وإصلاح المجتمع، والوقوف بصلابة في وجه التحديات والسياسات الظالمة التي حاولت طمس الهوية الإيمانية وتجهيل الأمة، مُشكلًا بذلك مرجعية دينية وأخلاقية تجاوزت النطاق المحلي إلى آفاق العالم الإسلامي.

 

ليس بغريب على العلامة بدر الدين بن أمير الدين الحوثي الذي نشأ في بيئة علمية أصيلة نهل من معينها معارفه الأولى، حبه للعلم والتقوى وتفانيه في تحصيل المعرفة الفقهية واللغوية، وتفوقه المشهود وعقليته الفذة، حتى غدا واحدًا من أبرز مراجع الدين وأعلام الفقه والتفسير في اليمن والعالم الإسلامي.

 

تميز بنظرة ثاقبة وعميقة للنصوص الدينية، ولم يكن العلم لديه مجرد نصوص تُحفظ في السطور، بل منطلقات ومبادئ تتحرك في الواقع العملي لتغيير حياة الناس ونشر العدالة، وبفضل هذه الرؤية، تخرج على يديه المئات من العلماء والباحثين والخطباء الذين حملوا مشعل التنوير والوعي في مختلف المناطق اليمنية، مواصلين السير على خطاه في التدريس والإصلاح الاجتماعي.

 

لم تنعزل حياة العلامة بدر الدين الحوثي عن هموم الأمة وآلامها؛ إذ اتسمت مسيرته بالجهاد المستمر ومقارعة الظلم بجميع أشكاله، وكان صوتًا صادقًا يصدع بالحق في زمن الصمت، فرضت المرحلة عليه مسؤولية العالم المتصدر لحماية المستضعفين ومجابهة الطغيان؛ ووقف بقوة ضد هيمنة قوى الاستكبار “أمريكا وإسرائيل”، ومخططاتهما التدميرية التي تستهدف الأمة ودينها وعقيدتها.

 

الموقف الجهادي الصُلب للعالم المجاهد السيد بدر الدين الحوثي تجسّد في تأسيسه للمشروع القرآني الذي قاده نجله الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، حيث مثل العالم الراحل الحاضن الفكري والداعم الأساسي للتحرك الإيماني، موقنًا بأن العودة إلى القرآن الكريم هي السبيل الوحيد لإنقاذ الأمة من حالة الذلة والمسكنة والتبعية.

 

لم تكن مسيرته محفوفة بالورود، لكنه واجه خلالها شتى أنواع العوائق والتحديات والإجحاف؛ تعرض للتضييق الممنهج والإقصاء من قبل السلطات الظالمة والبيئة السياسية والاجتماعية آنذاك، والتي حاولت مرارًا تحجيم دوره العلمي وتشويه مواقفه الفكرية بسبب رفضه القاطع للسير في ركاب السلطة أو مداهنة قوى الاستكبار.

 

ورغم ملاحقته، واستهداف مناطق وجوده، ومحاولات عزل خطابه، إلا أن الراحل آثر الزهد في مغانم الدنيا ومناصبها، ورفض العروض المغرية التي كانت تهدف إلى ثنيه عن مواقفه المبدئية، مفضلًا التنقل بين القرى والمناطق لتعليم الناس وتوعيتهم، متحملًا في سبيل ذلك مرارة النزوح والمطاردة بروح إيمانية صابرة، أثبتت للأمة معنى الثبات والوفاء للمبادئ.

 

قدّم العلامة الراحل أعظم التضحيات في مسيرته، وجاد بأغلى ما يملك في سبيل نصرة الحق؛ وكان في مقدمة الصفوف متحملًا عبء الحروب الظالمة التي شُنت على مران وصعدة، وقدم أبناءه شهداء في هذه المسيرة وعلى رأسهم الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي.

 

تلك التضحيات الجسيمة لم تزده إلا عزمًا ويقينًا، وأثمرت تربيته الإيمانية والجهادية في بناء وتأهيل قيادة قرآنية حكيمة، تجسّدت اليوم بقيادة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي وفي الانتصارات والعمليات النوعية التي تسطرها القوات المسلحة اليمنية بالصواريخ الباليستية والطيران المسير في مواجهة قوى الطغيان العالمي، ما يجعل من تلك التربية أساسا متينًا للعزة والكرامة التي يشهدها اليمن اليوم.

 

ترك العلامة السيد بدر الدين بن أمير الدين الحوثي مكتبة إسلامية غنّية بالمؤلفات والبحوث التي دافعت عن أصالة الفكر الإسلامي وتصدّت للأفكار الدخيلة والمحاولات التكفيرية والتضليلية؛ وتميزّت مؤلفاته بالعمق الاستدلالي والتبسيط الذي يربط الدين بالواقع، ومن أبرز تلك المؤلفات العلمية: “التيسير في تفسير القرآن الكريم” والذي يعد واحدًا من أهم المصنفات التي ركزت على إبراز الهداية القرآنية وتحريك الآيات في واقع الأمة.

 

يبقى العلامة بدر الدين الحوثي مدرسة متكاملة في العلم والجهاد والتضحية؛ وإحياء ذكراه السنوية ليس مجرد مناسبة عابرة، بل محطة إيمانية وتعبوية يستلهم منها الشعب اليمني وكل أحرار الأمة قيم الثبات والوفاء، واستشعار المسؤولية في مواجهة الأعداء والحفاظ على المكتسبات التي تحققت بفضل دماء وتضحيات أعلام الأمة الربانيين.

 

 

 

Comments are closed.