المنبر الاعلامي الحر

الأخذ بأسباب الوقاية من دلائل الإيمان

يمني برس: بقلم – عبدالمجيد حسين عزيز

 

حين تعرف عدوك وتعرف مكامن ضعفه وقوته يكون من السهل عليك إبعاده عنك وتوقي هجومه والإنتصار عليه وهذا ما نحتاجه في أي مواجهة مع الأوبئة والأمراض الأخرى المعدية حال انتشارها :
المعرفة بها وبأسباب الوقاية منها ،  وعدم التساهل في تطبيقها..

 

وقد قلنا كثيرا إن الحرص على بث التوعية لا يعني الخوف ولا التخويف ، بل هو واجب تمليه الظروف الحالية وتحركه دوافع الحرص على مجتمعنا وأهلنا و يمننا وصمودنا من التداعيات الصحية والمعيشية للأوبئة والأمراض ..

 

والحمد لله أن مجتمعنا اليمني يتمتع بنسبة كبيرة من الإيمان والثقة بالله تعالى وهي حالة لا يخالطها الخوف من الموت سواء جاء مع هذا الوباء المستجد الذي يكتسح الأرض أو كان بسبب غيره ،

 

إلا أن هناك قصور في الإحاطة ببعض المعاني والدلالات الإيمانية والتوجيهات الإسلامية سنتطرق لها في موضوعنا هذا..

 

إن الإيمان والثقة به تعالى أمران لا يتناقضان مع الوعي بالأوبئة والأمراض المعدية حال انتشارها ، والأخذ بأسباب السلامة والوقاية منها ، بل إن الايمان مرتبط بمتابعة أوامر الله تعالى ورسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وعدم مخالفتها وقد أصلت السنة النبوية الشريفة قواعد العزل والحجر الصحي وسبقت العلم الحديث في هذا المجال ومن ذلك ما روي عنه ص ( إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ) وبلفظ آخر ( الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، وإن الله جعله رحمة للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد ) وفي موضع آخر (ولا يوردن ممرض على مصح) وغيرهن من الأحاديث والسنن التي تبين موقف الإسلام في هذه مثل هذه الظروف ..

 

كما أصل الإسلام قواعد الطهارة النفسية والحسية والنظافة الشخصية والعامة ، وجعلها من أعظم الواجبات والشعائر وجعلها شرطا في العبادات كإزالة النجاسات والوضوء والاغتسال وتخليل الأظافر والشعر ، وجعلها شطر الإيمان (الطهور شطر الإيمان)

 

كما حث على غسل اليدين قبل الأكل وتخصيص اليمنى للأكل واليسرى لإزالة الأذى ، وأمر بتنظيف الأسنان ، وقص الشوارب وحلق العانة ونتف الإبط وتهذيب الشعر ، وأمر بتطهير المساجد وتنظيف الثياب والمنازل والطرق والأماكن العامة ، وشدد على المبالغة في تطهير الآنية إذا ولغ فيها الكلب ، وحرص على نظافة وسلامة الحجارة والتراب الذي يلامس الجسد لإزالة النجس أو للتيمم عند انعدام الماء ، كما حرص على سلامة الأبدان من ضرر الماء إن كان بها جراح في مواضع الغسل والوضوء وأعفا تلك الجراح من وصول الماء إليها ، وحبب الطيب ، وحث على نظافة المأكل والمشرب وأباح طيبات البر والبحر وحرم سيئها و ضارها ورديئها ،

 

وأرسى الكثير من التعاليم التي نراها قد أحاطت بكل ما يمكن أن يوفر للبشرية الأمن والسلامة والطهر والوقاية من الأضرار والأمراض والأوبئة

 

وما من وسيلة تحقق تلك المقاصد إلا أمر الإسلام بها وحث عليها وربطها بالإيمان بالله عز وجل..
هكذا يريد الله تعالى من الإنسان أن يكون في مراتب الطهر والنقاء : طاهر المأكل والمشرب والمسكن والملبس زكي النفس والبدن نظيفا نقيا في بيئته ومجتمعه وكل جوانب حياته ، وبعد مماته ، متجنبا لكل ما يجلب الضرر والأذية له أو لغيره ، وزيادة على هذه النعم الجليلة كافأ سبحانه وتعالى من يأخذ بها وجعلها وسيلة لتكفير الذنوب ونيل الرحمة والمغفرة والثواب والمحبة منه تعالى ..

 

لكن غالبية البشر حرموا أنفسهم من هذا العطاء الإلهي ويأبون إلا أن يكونوا في الحضيض ، فهم إما كافر جاحد لله تعالى و لأوامره وهم الأغلبية ، أو مسلم بالهوية فقط ، متابع للكفار بعيد عن تعاليم الله ويرى في تلك التعاليم تخلفا و رجعية ، أو مسلم جاهل يدعي الإيمان والثقة بالله تعالى وهو بعيد عن الكثير من تعاليمه

 

إن تعاليم الإسلام تشكل منظومة إلهية متكاملة جالبة لمنافع دنيوية عظيمة للبشرية ومبعدة لشرور خطيرة عنها في كل مجالات الحياة وما تعانيه البشرية اليوم من هول وكرب عظيم بسبب كائن ضعيف لا يرى بالعين أو بسبب تهويل أمره ، ما هو إلا شئ بسيط من الشرور التي يجلبها البشر لأنفسهم نتيجة بعدهم عن تعاليم الله تعالى وجهلهم بها،

 

وهو من جانب آخر مثال حي على عظمة هذا الدين ورفعته وسموه وأهميته للبشر .

 

.. فلو كان أهل الأرض ملتزمون بأوامر الله تعالى :

 

ما ظهر بينهم من يطغى ويتجبر ويصنع أسلحة نووية أو بيولوجية تقتل الأبرياء وتزهق الأرواح وتفتك بالأمم دون وجه حق ،

 

.. ولو كان أهل الأرض ملتزمون بأوامر الله تعالى :

ما ظهر بينهم من يأكل الخبائث والقذارات الجالبة للأمراض و الأوبئة ولو كان المسلمون ملتزمون بأوامره تعالى ومبلغون لدينه القويم في بقاع الأرض ما شملهم مثل هذا السخط والعذاب

 

وقبل أن أنهي الموضوع سأكرر بعض الكلام أعلى في عتاب على من يربطون بين الإيمان بالله والثقة به والتوكل عليه ، وبين الاستهتار بأسباب الوقاية من الأوبئة والأمراض ، فنجدهم يرفضون الأخذ بها أو يتساهلون في تطبيقها ولسان حالهم ظاهرا أو باطنا يقول ( احنا مؤمنين بالله واثقين به نتوكل عليه وما يقع شي )

وهذه حالة تعبر عن جهل عظيم وبعد كبير عن حالة الإيمان بالله تعالى والثقة به

 

– فالإيمان اسم جامع لجميع الطاعات واجتناب اﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ، وهو

مرتبط باتباع أوامره تعالى وليس في معصيته ، وقد بينا المكانة العظيمة للنظافة والطهارة في الإسلام ومشروعية العزل والحجر الصحي حال انتشار الأوبئة..

 

– والإيمان شعب متعددة أدناها إماطة الأذى عن الطريق ويدخل في هذا الكلام الأخذ بأسباب السلامة و الطهارة وتجنب كل ما يسبب الضرر للنفس وللغير ، واتباع سبل الوقاية من الأمراض و الأوبئة جزء من تلك الأسباب ..
فكيف بمن يستهتر أو يقصر فيكون سببا لنقل الضرر لنفسه و لأهله ولمجتمعه وبلده ..

 

– والإيمان مرتبط بالاحساس بالمسؤولية الفردية والجماعية وعدم التفريط واستقامة السلوك الفردي والجماعي وفق ما يتطلبه الصالح العام للمجتمع والدولة والأمة المسلمة

 

– والتوكل على الله مرتبط بالعمل والحذر والتوقي وليس بالتواني قاﻝ تعالى : (ﻭﻻ ﺗﻠﻘﻮا ﺑﺄﻳﺪﻳﻜﻢ ﺇﻟﻰ اﻟﺘﻬﻠﻜﺔ) ، (ﺧﺬﻭا ﺣﺬﺭﻛﻢ) ، ﻭﻗﺎﻝ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭعلى ﺁﻟﻪ : (اﻋﻘﻠﻬﺎ ﻭﺗﻮﻛﻞ)

 

– ومتى ما كان المسلم مطبقا لأوامر الله تعالى مطهرا لنفسه وجسده وبيئته وآخذا بأسباب السلامة ، حريصا على نفسه وغيره ومجتمعه ، كان في عداد المؤمنين بالله الواثقين به المتوكلين عليه ..

 

وفي الأخير نسأل الله أن يقينا شرور الغفلة والبعد عنه تعالى و أن يحفظ البلاد والعباد وينصرنا على القوم الظالمين

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين