المنبر الاعلامي الحر

العرب ومنتجات إسرائيل.. من مؤتمرات المقاطعة إلى مهرجانات التطبيع برعاية أمريكا

يمني برس:

 

فيما كانت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها، كانت بريطانيا – التي شعرت بزهو الانتصار بعد معاهدة الهدنة مع الألمان – تنفث سمها في الأراضي المقدسة على هيئة احتلال.. كيانٌ أريد له أن يستبيح كل شيء: الأرض والدم والمال، حتى إذا ما أتيح له ذلك راح ينشد أغاني السلام، غير أن صوتاً حراً ظل يهتف في أذن كل عربي “لا تصالح، ولو منحوك الذهب”.

 

في هذا السرد الوثائقي، تعرّج “الثورة” على تاريخ مكتب المقاطعة العربية لإسرائيل والمحطات التي مر بها منذ النشأة إلى إعلان التطبيع.

 

لم يكن دور المقاومة الفلسطينية كافياً لمواجهة احتلال تقف خلفه قوى العالم العظمى؛ لقد كانت الحاجة تقتضي وقفة عربية جادة تسند أصحاب الأرض والهوية أمام العدو، يشارك فيها الجميع دون استثناء فكانت حملة المقاطعة العربية لإسرائيل حلاً وسلاحاً.

 

بدايات شعبية

 

بدأت المقاطعة في عشرينيات القرن الماضي تحديداً عام 1922م، حيث نادت اللجنة العربية التنفيذية للبرلمان السوري – الفلسطيني بمقاطعة التجار الصهاينة اليهود، وكررت نداءها سنة 1934م، واستجاب ونفذ هذا النداء اتحاد العمال العرب، وفي العام 1936م طالبت الهيئة القيادية الفلسطينية العربية العليا، التي تقود الثورة الفلسطينية وحركة الإضراب والعصيان المدني الفلسطيني، بمقاطعة أخرى هددت من خلالها غير الملتزمين بالمقاطعة بالعنف غير أن هذه الحملة لم تنجح، نتيجة التغلغل الصهيوني في المجتمع الفلسطيني آنذاك من خلال المحامين والأطباء والمستشفيات.

 

استمرت هذه الحملات الحماسية تقاوم بما تستطيع حتى جاء الضوء الأخضر من بريطانيا في خطاب وزير خارجيتها “أنتوني إيدن” في الـ 29 من مايو عام 1941م الذي قال “إن العالم العربي قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التي تمت عقب الحرب العالمية الماضية”، مضيفاً “كثير من مفكري العرب يرجون للشعوب العربية درجة من درجات الوحدة أكبر مما تتمتع به الآن، وإن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم نحو هذا الهدف ولا ينبغي أن نغفل الرد على هذا الطلب من جانب أصدقائنا ويبدو أنه من الطبيعي ومن الحق وجود تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية وكذلك الروابط السياسية أيضاً”، مؤكداً في الوقت ذاته “تأييد حكومته التام لأي خطة تحظى بموافقة عامة”.

 

هذا التوجيه البريطاني الناعم كان كافياً لدفع الدول العربية لتأسيس مؤسسة عربية تمثلهم بمباركة بريطانية وكانت البداية من مصر التي أعلن رئيس وزرائها آنذاك “مصطفى النحاس” خلال خطاب ألقاه في مجلس الشيوخ عام 1942م، سعي مصر إلى عقد مؤتمر للقادة العرب لبحث أمر الوحدة العربية، ليعقب ذلك دعوته مجموعة من رؤساء الوزراء العرب إلى اجتماعات متعددة، وبعد نقاشات مستفيضة توافق المجتمعون على فكرة تأسيس “جامعة الدول العربية”، وقد وضعت أهدافها وحددت قضاياها باعتبار القضية الفلسطينية هي القضية الأولى والمركزية، وعلى إثر ذلك أعلنت الجامعة في ديسمبر 1945م المقاطعة الرسمية للبضائع الصهيونية، مطالبة كل المؤسسات والمنظمات والتجار والأفراد العرب برفض التعامل بالبضائع الصهيونية أو توزيعها أو استهلاكها.

 

مستويات المقاطعة

 

وشملت المقاطعة ثلاثة مستويات: كانت الدرجة الأولى منها خاصة بالبضائع والخدمات المصدرة من الكيان الصهيوني، فيما ضمت الدرجة الثانية الشركات غير العربية التي تتعامل مع الكيان الصهيوني، وحددت الدرجة الثالثة الشركات التي تشحن بضائعها من خلال المنافذ الصهيونية.

 

لقد أثبتت المقاطعة العربية للمنتجات الإسرائيلية فاعليتها في تكبيد الكيان الصهيوني وداعميه خسائر هائلة منذ بدء إعلانها، ما دفع الكونجرس الأمريكي لتشريع قانون ينص على فرض غرامات على الشركات الأمريكية التي تتعاون مع المقاطعة العربية، غير أن شركات أمريكية فضلت الدفع على أن تخالف المقاطعة وتخسر عملها في المنطقة العربية، كما ساهمت في بداياتها في الحد من هجرة اليهود إلى فلسطين.

 

وكان عدوان 1948م، وما بعده شاهدا على مقاطعة جامعة الدول العربية لإسرائيل تماشياً مع أهداف الجامعة، ففي العام 1951م أنشأت الجامعة “مكتب مقاطعة إسرائيل” وتتمثل مهمته في وضع لائحة سوداء مرتين في كل سنة باسم الشركات الإسرائيلية أو باسم الشركات التابعة لدول أخرى تُجري تبادلات تجارية مع إسرائيل، وأنشئ فرع للمكتب في كل بلد عربي على أن تضم دمشق المكتب المركزي للمقاطعة.

 

أذى اقتصادي

 

وخلال عشرات السنوات أسهمت الاجتماعات النصف سنوية لضبّاط اتصال المكاتب الإقليمية لمقاطعة إسرائيل في إلحاق الأذى الاقتصادي بسلطات الاحتلال وحدت من قدراتها الاستيطانية، من خلال القوائم السوداء الصادرة عنها والتي تضم أسماء منتجات الشركات التي يجب مقاطعتها، الأمر الذي انعكس بصورة سلبية على الاقتصاد ومنه على بقية جوانب الحياة، إذ تؤكد الغرفة التجارية الصهيونية أن صادرات إسرائيل خلال العام 1948م، أقل بـ 10% مما هو مفترض أن تكون عليه دون المقاطعة، على الرغم من الدعم الغربي السخي لدولة الاحتلال.

 

لقد شكلت حركة المقاطعة مصدر قلق للقوى الإمبريالية الغربية، باعتبارها تهديدا كبيرا لإسرائيل، فهي من جانب تحد من قدرتها السرطانية على الانتشار في الأراضي العربية، ومن جانب آخر تشكل عبئاً على الاقتصاد والإدارة الأمريكية، ما دفع الإدارة إلى اتخاذ إجراءات وحلول لمواجهة خيار المقاومة تمثلت في تدويل الإنتاج وتغيير أسماء المنتجات والشركات إلى أسماء أخرى وشركات شريكة من بلدان أخرى غير أنها لم تنجح مع تحديث مكتب المقاطعة لقوائمه بين الحين والآخر.

 

وعلى الرغم من الخيارات التي من شأنها تعزيز تدفق المنتجات الصهيونية إلى البلدان العربية، إلا أن المقاطعة أثبتت فاعليتها في محاربة اقتصاد العدو وتقليص حجم الصادرات إلى الدول العربية، وتكبيد اقتصاده خسائر قدرت بنحو 90 مليار دولار حتى 1999م، منها عشرون مليار دولار جراء منع صادرات إسرائيل للعرب و24 مليارا استثمارات متوقعة و46 مليارا خسائر مباشرة وغير مباشرة جراء مقاطعة الشركات الإسرائيلية والمتعاملة مع إسرائيل.

 

هاجس أمريكي

 

خلق هذا المسار هاجساً لدى الحكومة الأمريكية التي لجأت إلى خيارات أخرى من شأنها مواجهة مبدأ المقاطعة وشل نشاط مكتبها، كالضغط على الدول العربية عن طريق المساعدات المشروطة التي تقدمها للدول النامية أو من خلال الخطابات التي تبعث بها سفاراتها إلى الدول المختلفة أو من خلال منظمة التجارة العالمية.

 

ونصت المادة رقم 535 من قانون العمليات الخارجية الأمريكية وتمويل التصدير، الصادر عام 2006م، على أن “الكونجرس الأمريكي يشعر بأن مقاطعة جامعة الدول العربية لإسرائيل تمثل مأزقًا لعملية السلام في الشرق الأوسط، ولتجارة واستثمارات الولايات المتحدة في المنطقة، لذا يجب أن تلغى المقاطعة تمامًا، كما يجب على جامعة الدول العربية أن تطبع علاقاتها مع إسرائيل”.

 

لقد كان هذا كفيلاً بحقيق خروق كبيرة في بلدان المقاطعة من خلال المكاتب التجارية الإسرائيلية التي باتت تنتشر في كثير من الدول العربية وخاصة الخليجية إضافة إلى تونس والمغرب، حيث أصدر مركز الإعلام العربي في يناير من العام 2005م، تقريراً يؤكد أن “تونس افتتحت ممثلية تجارية لها في تل أبيب عام 1995م، وفي عام 1992م، استوردت منتجات إسرائيلية بحوالي (46) مليون دولار، ولإسرائيل ممثلية تجارية في سلطنة عمان، وتصدر إليها منتجات المطاط، والبلاستيك، والمنتجات الورقية، والمعدات الميكانيكية، والمنتجات الكيماوية”.

 

أما المغرب العربي فيقول التقرير “هناك مكتب اتصال افتتح عام 1994م، وتصل منتجات إسرائيل إليه عبر جزيرتي سبتة ومليلية المحتلتين من قبل إسبانيا، بينما يذكر أن اسرائيل وقعت مع العراق اتفاقاً عام 2003م بترخيص عام للتجارة يسمح بإقامة أنواع العلاقات التجارية كافة مع العراق، وبالنسبة إلى لبنان فقد بدأ التبادل التجاري مع إسرائيل أثناء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976”.

 

معاهدات وتخاذل

 

قبل ذلك كانت بعض الدول العربية المجاورة لفلسطين قد وقعت معاهدات واتفاقيات مع إسرائيل، من بينها مصر التي وقعت على معاهدة “كامب ديفيد” عام 1977م، ومعاهدة “أوسلو” بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني سنة 1993م، إضافة إلى معاهدة “وادي عربة” بين الأردن والكيان الصهيوني سنة 1994م، وفي العام نفسه تخلت الدول الخليجية عن المقاطعة بدرجتيها الثانية والثالثة ومن ثم افتتاح السفارات الصهيونية في القاهرة وعمّان وتبادل التمثيل العربي – الصهيوني بين عدة دول عربية مع الكيان منها قطر وموريتانيا وتونس وعُمان وحكومة كردستان العراق، وبالتزامن مع ذلك تكونت كيانات تجارية وصناعية عربية – صهيونية للترويج للبضائع والمنتجات الإسرائيلية في الدول العربية التي لا تزال المقاطعة سارية فيها.

 

وتؤكد التقارير الإسرائيلية أن قطر أقامت علاقات تجارية مع إسرائيل في عام م1996، حتى قطعت العلاقة في عام 2009م بعد عملية الرصاص المسكوب (هجمة عدوانية إسرائيلية على غزة) وفي عام 2010م، قدمت قطر مرتين عرضا مشروطا بإعادة العلاقات التجارية مع إسرائيل والسماح بإعادة البعثة الإسرائيلية إلى الدوحة مقابل السماح بدخول المساعدات القطرية للفلسطينيين.

 

وفي أبريل من العام 2006م تقدمت السعودية بطلب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية لكنها قوبلت بالقرار الأمريكي الذي أصدره الكونجرس بالإجماع والذي يعتبرها لم تستوف شروط الانضمام للمنظمة جراء دوام مقاطعة إسرائيل تجاريًا، وفيلكن المملكة أعلنت في العام ذاته إنهاء مقاطعتها للبضائع والخدمات الصهيونية تلبية لشروط الانضمام للمنظمة.

 

وثيقة من اليمن

 

في السياق حصلت الثورة على وثيقة بعث بها وزير الخارجية اليمني الأسبق أبو بكر القربي إلى مدير مكتب رئاسة الجمهورية علي محمد الآنسي، بتاريخ 11 نوفمبر 2007م، يطلعه فيها على مذكرة أرسلتها السفارة الأمريكية بصنعاء إلى الخارجية بتاريخ 4 نوفمبر وتحمل الرقم 1257، وتتضمن طلب السفارة من الوزارة عدم إرسال ممثلين إلى مؤتمر المقاطعة العربي لإسرائيل والذي عقدته الجامعة العربية في مكتب المقاطعة المركزي في دمشق خلال الفترة من 5 – 7 نوفمبر.

 

وأضاف الوزير أن خطاب السفارة أشار إلى أن لقاء المقاطعة العربية لا يمثل عائقا للسلام فحسب بل يشكل حاجزا يحول دون المشاركة في الاقتصاد العالمي وجذب الاستثمارات الأجنبية وتوسيع التجارة وتحسين العلاقة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، كما تطرقت إلى أن انضمام اليمن لمنظمة التجارة العالمية يتطلب من حكومة بلادنا التخلي عن مقاطعتها المبدئية للبضائع والخدمات الإسرائيلية وأنه قد حان الوقت لتتخذ جامعة الدول العربية قرارا بإغلاق مكتب المقاطعة المركزي في دمشق.

 

لقد كان موقف اليمن بحسب ما ذكرته المنظمة مسايرا للوضع العام ولا يختلف عن قرار بقية البلدان، حيث تم توجيه سفير اليمن في سوريا بالتأكد من المشاركة من قبل الدول العربية في الاجتماع واتباع الإجماع العربي، الأمر الذي يوضح أن الحكومة اليمنية كانت فاقدة قرارها المستقل.

 

وفي مذكرة أخرى صادرة بتاريخ 9 مايو 1993م، لمحضر اجتماع جمع بين مساعد وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية “ديفد ماك” مع رئيس الوزراء اليمني ووزير الخارجية آنذاك طالب ماك من حكومة اليمن إعادة النزر في سياسة المقاطعة التي تشكو منها الشركات الأمريكية المتعاونة مع كيان العدو الإسرائيلي.

 

كما تؤكد رسالة ثالثة من وزير الخارجية بتاريخ 4 يونيو 2006م، إلى مكتب رئاسة الجمهورية، انزعاج الأمريكي من المقاطعة، حيث تشير إلى أن السفير الأمريكي طرح موضوع رفع نظام المقاطعة العربية ضد إسرائيل خلال اجتماعه بوزير الخارجية اليمني.

 

تمهيد للتطبيع

 

لقد نجح الضغط الأمريكي في التأثير على نشاط مكتب المقاطعة حيث بدأت الدول العربية، وخاصة دول الخليج، التخلي عن المقاطعة، ولم يضم المؤتمر الدوري الذي عقد في أكتوبر من العام 2008م واستمر ثلاثة أيام سوى ممثلين عن 14 دولة، بينما غابت ثماني دول هي: البحرين وعمان والصومال وجيبوتي وجزر القمر إضافة إلى الدول الثلاث التي ترتبط باتفاقيات مع إسرائيل وهي مصر والأردن وموريتانيا.
استمر التخاذل العربي تجاه عمل مكتب المقاطعة، في الوقت الذي تقاربت فيه بعض الدول مع الكيان الصهيوني تمهيدا للتطبيع، ففي العام 2005م أعلنت البحرين انسحابها التام من المقاطعة مقابل أن تحصل على ” تسهيل الموافقة على اتفاقيات التجارة الحرة بين البحرين وأمريكا”.

 

وقد كشفت تقارير رسمية للحكومة البريطانية، أن إسرائيل بين 2008م وحتى 2012م باعت عتادا عسكرياً لأربع دول عربية، هي مصر والجزائر والمغرب والإمارات العربية إضافة إلى الباكستان، وكانت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي مررت بالأغلبية ميزانية المساعدات العسكرية الأمريكية للعام 2012م بإجمالي 6.4 مليار دولار، نصفها لإسرائيل ووزع الباقي على كل من مصر وباكستان واليمن ولبنان، وجاء توزيع بقية المساعدات العسكرية، مشروطاً بالالتزام بما يحمي الكيان الصهيوني، بل وصل الحال إلى الضغط على الجامعة العربية لإيقاف المقاطعة.

 

في المؤتمر الخامس والثمانون لضباط اتصال المكاتب الإقليميّة لمقاطعة إسرائيل وافقت السعودية على رفع الحظر عن بعض الشركات التي تم مقاطعتها سابقا ثم غيرت سياساتها وتعاملاتها وفقا لشروط رفع المقاطعة، لكنها تحفظت على إدراج بعض الشركات الجديدة في قائمة الحظر.

 

واستمرت العلاقات التجارية بكل أشكالها قائمة بين البلدان العربية في الوقت الذي ظل فيه مكتب المقاطعة يواجه تدفق السلع حتى توقف عمله مع ما سمي بالربيع العربي الذي وصلت أزمته سوريا، فاتخذت إسرائيل من ذلك فرصة ليس لاكتساح الأسواق العربية بمنتجاتها فحسب بل في الوصول إلى التطبيع الكامل لعلاقاتها مع بعض البلدان، كالإمارات والبحرين والسودان وغيرها، ضمن مشروع صفقة القرن الذي يستهدف الأراضي الفلسطينية بتمويل عربي خليجي.

 

ورغم ذلك يبقى العربي الحر متمسكاً بمبادئه مدافعا عن قضيته ومحاربا كل أشكال التطبيع، فالمقاطعة مقياس انتماء الإنسان للأرض، ودليل ارتباطه بالهوية وأول سبيل للمقاومة مع أولئك الأبطال الذين يرددون في أهازيجهم اليومية: “لا تصالح ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام..
وارْوِ قلبك بالدم.. واروِ التراب المقدَّس.. واروِ أسلافَكَ الراقدين.. إلى أن تردَّ عليك العظام!”.

 

*الثورة : عبد القادر عثمان – مها موسى