المنبر الاعلامي الحر

بين الرسول البشير .. وأمة التقصير والتكفير

د. حمود عبدالله الأهنومي

بقلم/ يستوجب أن تفرح الأمة بهذه الذكرى العطرة التي تؤسس في وعيها أهمية وجود الرجل الاستثناء في الزمن المُفَخَّخ بالمصاعب، وأهمية أن تفرح بفضل الله وبرحمته، حتى لا تنجح مساعي أعداء الإسلام الذين يهاجمونه من خارجه، وهؤلاء بداخله الذين يرسمون صورة نمطية قاتمة، لا تمتُّ إلى أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومواقفه بصلة، يُفْتَرَضُ بالأمة أن تقف مليا عند هذه الذكرى حيث تأتي وهي تعيش على صفيح ساخن يغلي بالكره والبغض والتناحر والشتات والفرقة والاختلاف والحروب وسوء الأخلاق والبعد عن الشمائل والفضائل المحمدية.

 

ليسألْ كلُّ رجل من هذه الأمة نفسه يوم احتفاله بمولده صلى الله عليه وآله وسلم؛ ماذا أستفيد من هذه الذكرى؟ هل يمكن أن تظهر أخلاق رسول الله في نفسي وفي أسرتي وفي مجتمعي؟ هل يمكنني أن أحوّل تلك الأخلاق والقيم والمواقف النبيلة إلى واقعٍ سلوكيٍّ عملي في حياتي؟ هل يمكنني أن أتمثل رسول الله بين عينيّ وأنا أمضي خطوة في سبيل حياتي، وعند كل قرارٍ أقرِّرُه، وموقفٍ أقفه؟

 

يجدر بنا أن يحضر نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم في مواقفنا وسلوكنا وفي جميع محطات حياتنا باعتباره القدوة والأسوة والمثل الأعلى والنموذج الرباني والوحيد الذي يجب أن لا تحجبنا عنه أي قدوة، وأن لا تذهب بنا عنه أي أسوة، وأن لا تفك ارتباطنا به أيُّ جهة.

 

الرحمة المهداة
يبدو أن أهم أمر تنكره أمة اليوم في واقعها هو أنها سلكت سبيل الفظاظة والغلظة والجفاء والقساوة والوحشية، لقد فطمت نفسها عن ينبوعِ رحمتِه الثرِّي، وتحجّرت قلوبها بفعل ركام الأهواء التي منعتها قطْر رحمته الشاملة، وندى قلبه الكبير، ألم يحصُرْ رسالته وإرساله في كونه رحمة لكل العالمين، يقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، فلماذا لم نعد نرحم حتى أنفسنا، للأسف حتى رحمة الطيبين منا لا تتجاوز حدود جدران أهوائنا، ودوائرنا الضيقة، وأتباعنا القريبين، ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أنا رحمة مهداة)، فلماذا يحاول فريق من أهل الإسلام خطِئَ منهج الخير وتنكَّب سبيل السعادة أن يصوّر عن عمدٍ أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن رحيما.

 

أحد غلمان التكفير والتفجير، وعباد الأهواء والتدمير، يسرع خطاه متوشحا حزاما ناسفا إلى سوق مزدحم بالأطفال والنساء والأبرياء والشيوخ والمسنِّين ليقتلهم، يحرص على قتلِ أكبرَ عددٍ منهم. أين اكتنز كل هذا الحقد؟ ومن أين ادّخر كل هذه الوحشية المظلمة؟ ألم يكن له في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غنية عن سنة هولاكو؟ ألم يكن له في كتاب ربه وسيرة هذا النبي الأكرم (ص) ما يرفعه عن الوقوع في مستنقعات الدماء المحرمة؟

 

لقد رأى سعد بن عبادة رضي الله عنه، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة وقد دمعت عيناه لسماعه نبأ وفاة طفل، فسأله يا رسول الله ما هذا؟ فقال – بأبي هو وأمي – : (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)، وجاءه أعرابي فرآه يقبِّل صبيانا، فقال الأعرابي: أتقبّلون الصبيان، نحن لا نقبلهم؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (وما لنا أن نزع الله الرحمة من قلبك)، ولو درى الأعرابي أن قوما في عصرنا ينتسبون إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويدَّعون تمثيله الحصري يتلذّذون بقتل الأطفال، أو بقتل آبائهم أو أمهاتهم أمامهم، أويتلذّذون بذبحهم، أو بتفجيرهم، أو بهدم منازلهم على أم رؤوسهم، وشوي أجسادهم، لأدرك أن هؤلاء لم يكونوا إلا ركاماً هائلاً من الوحشية المغالية.

 

دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة ظافرا منتصرا على قومٍ آذوه وسفّهوه ورجموه وطردوه وحاولوا قتله مرات، وحشدوا له الحشود، وجيّشوا الجيوش، فكان أعظم ظافر منتصر، وخير راحم مقتدر، لقد أطلقهم من إسار المصير السيئ الذي كانوا يستحقونه إلى سماحة الإسلام ورحمته وحلمه وصفحه، أثبت أن الإسلام فعلا صرح الحياة الشامخ، ومجد الإنسانية الباذخ، هذا الرسول الإنسان، الذي وصفه ربه بأنه كاد يُهْلِك نفسه أسى وتحسُّرا على آثار تلك الأمة التي لم تهتد إلى أفياء رحمته، وظلال السعادة به، قال تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)، (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كاد يهلك نفسه ويقتلها أسى على أولئك الكفار؛ لأنهم لم يسلموا، لهذا نهاه الله عز وجل قائلا: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتْ).

 

يا لله لهول الفرق بين منهج النبي البشير، وما تقترفه اليوم أمة التكفير والتفجير!.

بربك كم نخاف ونأسى على إخواننا المؤمنين؟ فضلا عن أولئك الكافرين؟ كم نخاف أو نقلق على إخوان لنا ونأسى عليهم الوقوع في سخط الله.

حين نقارن وضعنا وما نحن عليه وما كان عليه نبينا الكريم صلى الله عليه وآله الطاهرين نجد سبب بعدنا عن الله، وسبب هواننا على الأمم، وسبب تخلفنا وتأخرنا، نجد كل ذلك حين نرى الفجوة الواسعة التي تفصلنا كثيرا عن المنهج القرآني النبوي المحمدي.

أخلاقنا إلى أين؟
يقول الله تبارك وتعالى عن نبينا (ص): (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، ووُصِف بـ(كان خلقه القرآن)، وأنه (كان قرآنا يتحرك)، وأبواب أخلاقه ومصاديقها الواقعية لا يأتي عليها حصر، ولا يصورها جمال تعبير، في أخلاقه مع أهله، مع زوجاته، مع أصحابه، مع أغنيائهم، مع فقرائهم، مع كبارهم وصغارهم، في سلمه، في حربه، مع أصدقائه ومع أعدائه، مع من أراد قتله، أو مع من دافع عنه، في من أساء بحقه، وفي من أحسن إليه.

 

لن أتحدّث عن أخلاق أولئك التكفيريين ووحشياتهم المشهودة، ولا عن السياسيين وإجرامهم، ولا عن أعداء الله من اليهود والنصارى المحتلين الغاصبين، بل عن أخلاق المسلمين المؤمنين الذين يحملون التصور السليم عن الإسلام، وأسأل أين هؤلاء الطيبون وأين واقعهم الأخلاقي من واقعه؟ أين تعاملاتهم من تعاملاته، أين أمانتهم؟ أين ورعهم؟ أين محل القرآن من عقولهم وقلوبهم؟ أين تسامحهم مع بعضهم؟ أين انقيادهم لله تعالى في الاعتصام بحبله؟

 

حين أعلم أن هناك من يعادي أخا له في الدين والمنهج والفكر بسبب اختلاف في طريقة ليس الاختلاف فيها أمرا ذا بال، حين يرفع أحدُنا قضية من هوامش القضايا ليجعلها قضية القضايا، وأم الرزايا، بسبب إشاعة من الشائعات، أو رأي من الآراء من شأن البشر أن يختلفوا فيه، فتجد فينا من يمزِّق لحم نفسه، ويتلذّذ بغيبته والانتقاص منه، فإنني أدرك أن هناك صرحا من صروح الأخلاق الكريمة التي بناها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتهاوى على رؤوسنا، وقصرا منيفا من قصورها تنعق على آثاره الخراب اليباب البومُ والغربانُ، أتساءل في عميق أسى ومتاهة ذهول: هل نحن مسلمون وهل هذه أخلاقنا؟

 

لِمَ إذاً لا نجعل من هذه الذكرى الكريمة مدرسة لإعادة تأهيلنا بأخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم؟ لم لا نجعلها مولدا للدين الحق في طريقة حياتنا؟ لم لا نجعلها مناسبة تدعونا لعبادة رب محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدلا من عبادة أهوائنا وأنانياتنا؟

 

هل أصبحنا من أولئك الذين ذمّهم الله حين قال: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)، ولقد صدق (ص) حين قال: (ثلاث أخافهنَّ على أمتي بعدي: الضلالة بعد المعرفة، ومضلات الفتن، وشهوة البطن، والفرج).

 

لا يستطيع الحديث عن الإسلام من خفي عليه كثير من مجالاته، ولا يمحض أهله النصيحة من لم يعقل شموليته وصلاحيته لكل زمان ومكان، ولا يقدّس العدل والكرامة من انسحب عن واقع الناس المخيف إلى قصرٍ عاجيٍّ منيف، ولا يضحي من لم يحترم الإنسان، ويكره الظلم والعدوان.

 

متى نكوّن الأمة التي أراد الله؟
يحار المرء كيف استطاع هذا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرج أمة تائهة في رمال الجهل، وسراب الصحارى؟ أنى له نظْمُ عِقْدِها في غضون أعوام قليلة؟ وكيف استطاع إيجاد أمة تقف على أقدامها أمام أطغى وأعتى القبائل والدول العالمية؟ هل لنا في هذا الدرس البليغ ما نستفيد منه؟ لم لا يسأل قادة المجتمعات الإسلامية وقادة الفكر والعلماء الربانيون عن المآزق التي انحدرنا إليها؟ وأين المخرج منها؟ وهل يمكننا دراسة سيرة رسول الله في هذه المناسبة المعطاءة ودراسة منهجه صلى الله عليه وآله وسلم في تكوين الأمة بذلك الشكل وفي تلك المدة والظروف؟

 

إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استمد رؤيته الإلهية من كتاب ربه الذي أنزله عليه ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، قال تعالى: (الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)، فوضع صلى الله عليه وآله وسلم تلك الرؤية نصب عينيه، ووضع الإمكانات واتخذ القرارات، وسلك الطريق المحشودة بالخير إلى الوصول إلى تلك الغاية العظيمة، حين جمع صلى الله عليه وآله وسلم تلك الأمم المختلفة والقبائل المتناحرة على منهج الإيمان الحق، وحين كان الإيمان قوة دافعة حيثما حل قلبا أشعل فيه فتيل العمل الصالح، وحثّه على المثابرة والنصح، فأثمر ذلك أن تتجه الأمة نحو تلك الغاية التي رسمها صلى الله عليه وآله وسلم، بينما غرقنا -نحن المقصرين المفرطين للأسف الشديد- في ذواتنا، وتناثرت جهود الخيرين منا على هوامش الجادّة، فأنتجت جهودنا مشاريع فردية وشخصية، ولم نهتد عندئذ إلى تكوين الأمة المطلوبة، لولا أن الله تداركنا بهذه المسيرة المباركة، التي أخرجتنا من ظلمات الشتات وضلال الضياع إلى نور الإيمان، وبصيرة مشروع القرآن.

 

وضع رسول الله المناهج الإيمانية واللبنات الكريمة في صرح الإسلام العظيم التي ما من شك في أنها ستثمر بناء الأمة، ما إن حطت رجلاه أرض يثرب، حتى ربط بين ساكنيها برباط التناصر والتعاون في ما سمي بـ(وثيقة المدينة)، ثم بنى المسجد، وآخى بين المسلمين، ورباهم التربية العظيمة الكريمة التي صهرت المجتمعات الوافدة على مجتمع الأنصار في إطار جديد وعلى منهج جديد، واتخذ قرارات استراتيجية لإيجاد مجتمع حافل بالتنوع والاكتفاء الذاتي استعدادا للحصار الاقتصادي الذي سيواجهون به، وهكذا مضى صلى الله عليه وآله وسلم من موقف إلى آخر، ومن لبنة إلى أخرى ليخرُجَ إلى حيِّز الوجود مجتمعٌ فاضل كريم عفيف زاهد مبادر مجاهد يضحي بالغالي والنفيس من أجل دين الله ونصرته وعزته.

 

حين يترسّم القائد في زماننا خطى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأخلاقه وقيمه ومواقفه، ويسلكها متأسيا، فإن النتيجة هي أن تنمو شجرة الأمة، ويكتمل صرح الخير، ويثمر العطاء والتضحية، ستكون الأمة التي أراد الله حين يكون الإخاء منهجَنا، ويكون رضا الله غايتَنا، وتكون الجنة منانا، ويكون العمل الخالص لوجه الله الكريم عملنا، ويكون التسامح سلاحنا، وتكون العزيمة واليقين طاقتنا، وتكون المبادرة والانقياد مقوِّمَ نجاحنا، وتكون معرفتنا لعيوبنا قبل معرفتنا لعيوب غيرنا مرآتنا، ويكون الفهم الواعي لما يريده الحق تبارك وتعالى منا هو مصباحنا، بالتأكيد فإن النتيجة ستذهب بنا باتجاه النتيجة التي حققها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

(وقل ربِّ زدني علما)
لقد أخرج رسول الله أمة العرب من حالة الجهل والجاهلية إلى حياة العلم، والفكر، واليقين، إن روح الإسلام تستمد تجلياتها المباركة من نور البصيرة والعرفان، ومن وضوح الحقيقة والتبيان، حيث العلم يسطع شعاعه، وتنير حقائقه، هل هناك عالم أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو عناية الله، ورحمته، وحقيقة وحيه، لم يصل إلى مرحلة الغرور التي قد نصل إليها، بل ظل دعاؤه لربه: (وقل رب زدني علما)، ألم يأت بعثُ الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم في سياق تعليم الأمم (الكتاب والحكمة)، يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).

 

إذا لم تتعلم الأمة من نبيها صلى الله عليه وآله وسلم الكتاب والحكمة فإنها ستبقى في وحل الجاهلية وشقاء الضلال المبين، إن أمة بلا علم لهي أمة هوجاء لا بصيرة لها في أحنائها، ولا نور هداية ينير دروبها، وإن أمة بلا عزة ولا منعة ولا جهاد لهي أمة مستذلة مستضامة ذليلة مهانة.

 

إن ما تعاني منه الأمة اليوم أنها رضيت بالجهل حياة وسلوكا، لم تعد تقرأ التعاليم الإسلامية بوعي، هل كانت الأمة مثلا ستعيش مرتع التخلف والغباء لو أخذت بمنهج الإسلام الذي تحدّث عنه الإمام علي سلام الله عليه، حين قال: (يا جابر قوام الدين والدنيا بأربعة، عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم .. فإذا ضيّع العالم علمه، استنكف الجاهل أن يتعلّم).

 

هناك في نهج البلاغة وصفٌ ينطبق على عصرنا وعلى كثير من الشعوب الإسلامية له علاقة بعصر سيادة التغافل والجهل، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمنٍ كنود، يُعَدُّ فيه المحسنُ مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوًّا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوَّف قارعة حتى تحل بنا».

 

لا يجوز أن تسود حياة التغافل، وتختلط المفاهيم، وتضعف الموازين السوية، حيث يكون هناك علماء ربانيون ولا ينتفع الناس بعلمهم، أو يكون هناك علماء يكتظون بالثقافات المغلوطة، وحيث هناك جهلة مطمئنون لجهلهم، وحيث لا يوجد استشراف علمي مدروس للمستقبل.

 

إن رسم العلاقة الشرعية بين المشروع والواقع العملي هو مسؤولية العلماء التي لا يجوز لهم التخلي عنها مهما كانت الظروف، ولا يتم ذلك إلا بإعمال التخصصات الدراسية العلمية وعقد المؤتمرات البحثية، وإنشاء مراكز الدراسة والمدارسة، في جميع المجالات العلمية التي بها تقوم الأمة مسارها، وتصوب أخطاءها، وتنير طريقها، وتستنهض مقوماتها.

 

حتى لا تقع الأمة بين يدي الخسف
قال الإمام علي عليه السلام: (كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله)، فإذا كان الإمام علي وهو من هو في الشجاعة والإقدام يصف رسول الله بذلك الوصف، فإن هذا يشير إلى الدور الأعظم الذي كان على رسول الله أن يتحمّله في المعارك الفاصلة.

 

غير أن سؤالا يلازم أيَّ مسلم لديه شيء من الغيرة والحماسة، وهو: لماذا هانت هذه الأمة من بين سائر الأمم؟ ولماذا ذلت الشعوب؟ ولماذا انتهكت مقدساتها، واحتلت أرضها؟ لماذا لم يحقِّق المسلمون العزة التي كتبها الله لأوليائه في هذه الأرض؟ لماذا ساد الظلم والعدوان؟ ولماذا تعايش المسلمون مع الذلة والهوان؟

 

لعل أمير المؤمنين عليا عليه السلام قد أعطى الإجابة في خطبته التي يحرّض فيها على الجهاد، حيث قال: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلَاءُ، وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْأسداد، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ».

 

هذا النص العلوي يشرح أن الجهاد باب مفتوح لأولياء الله، تعتبر التقوى عارية بدون وِقاء في ظل عدم وجود الجهاد الذي تُبْنى به الأمة التي تنصر دين الله وتطبقه منهجا على الأرض، ماذا تفعل التقوى في ظل نظام ظالم ينشر في الأرض الفساد، ويقتل ويسلب، وصدق عليه السلام حيث ذكر عاقبة المجتمعات والجماعات التي تتخلى عن مبدأ الجهاد بأنها ستتلبّس بثوب الذل، حيث يداخلها، ويكون لباسها الذي يلفها، ويباشرها، وسيكون بلاء الظالمين شاملا عاما، لا يفرق بين عالم وجاهل، وبين تقي وغير تقي، وبين كبار وصغار، وأشراف وسوقة.

 

لا يكفي أن يحس المجتمع وأهله بالذلة الملابسة لهم والمداخلة لشؤونهم، بل سيمارس الطغاة والظالمون القهر والإذلال له بوضعه في دائرة الصغار، وهو الامتهان، والقماءة وهي التحقير، هؤلاء الطغاة لأنهم أهل نفوس غير سوية يلذ لهم أن يوجهوا الإهانات إلى المجتمع الذي لا يعرف معنى الجهاد والحرية، سيلذ لهم أن يحتقروا المجتمعات.

 

المجتمعات ستصاب بالتبلُّد، فلا تنفذ من قلوب أهلها معرفة، ولا حسن رأي، وأنّى لذليل مستَذَل أن يفكِّر سويا، وأنى له أن يتخذ قرارا حكيما، وهو مصاب برهاب الذلة والخوف والقلق.

 

حين لا تقوم المجتمعات وعلى رأسهم العلماء بما يجب عليهم من الجهاد سيُدال الحقُّ منهم، قد تتراءى لك جماعة من الجماعات أنهم على الحق، وربما كانوا فعلا على الحق، ويمشون طريقا سويا، ولكن بتضييعهم هذا المبدأ ربما يكون فيه خذلانهم، حينئذ سينتقل الحق من أيديهم إلى أيدي من يهبُّون لنصرة دين الله.

 

سيُسامون الخسف، أي سيوقعون بهم النقص في أموالهم وكرامتهم وحياتهم، وإذا طلبوا النصفة مُنِعُوا من الوصول إليها؛ لأنهم ببساطة يريدون أن يتحركوا على أرضيةٍ مخرجاتها من الطبيعي أن تكون سيئة.

 

وواقعنا اليوم في اليمن أكبر شاهد على صوابية ما تقدم، فكيف كان اليمنيون قبل هذه المسيرة؟ وكيف صاروا؟ كيف كنا؟ وكيف صرنا بفضل الله وتوفيقه، ثم بفضل هذه المسيرة المباركة، وإعادة الشهيد القائد للأمة إلى مصدرها الأصيل في المعرفة الإلهية، القرآن الكريم، فتغيرت أحوال الناس إلى الأفضل، ورفع الله عنهم إصر السكوت على المنكر والظلم، وأكبر منكر وظلم ما تمارسه أمريكا وإسرائيل بالشعوب من ظلم وإفساد، لقد بات كل يمني يشهد تحولات عميقة ومصيرية، كل ذلك بالرؤية القرآنية، ومعرفة الله المعرفة الصحيحة المأخوذة من القرآن الكريم، والثقة بالله، والثقة بكتاب الله، والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واتباع سنة الله في الهداية من خلال الثقلين كتاب الله وأعلام الهدى من عترة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم..

 

آن لنا إذن أن نعيش ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونحن واعون بالنقص الذي يستوجب الإكمال، والخطر الذي يلوح منه الخسران، آن الأوان لتصحيح المسار، وإقالة العثار، وتأمل واقعنا وما كان عليه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، واتخاذ المواقف التي يتطلّبُها منا التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وآله وسلم، آن الأوان لردم الفجوة الهائلة بين التنظير والتطبيق، والوهم والتحقيق، ولا عزة ولا كرامة لنا إلا في منهج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وفي منهج أهل بيته الطاهرين المنتجبين.

 

لقد صدق الله القائل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً).