السيد القائد في ليالي شهر القرآن : رسم من قصة موسى طريق الفتح الموعود
يمني برس | عبدالمؤمن محمد جحاف
تظلّ قصّة موسى مع فرعون واحدةً من أعظم النماذج القرآنية التي تكشف طبيعة المواجهة بين الحق والباطل، وتؤسس لفهمٍ عميقٍ لسنن الله في حركة التاريخ. لم تكن تلك القصّة مجرد حدثٍ عابر، بل مسارٌ متكامل يبدأ بالاستضعاف، ويمرّ بالصراع، وينتهي بانتصار الإرادة المؤمنة وسقوط الطغيان مهما بلغت قوته.
فرعون، بما مثّله من جبروتٍ واستعلاء، لم يكن حالةً استثنائية، بل صورةً متكررة لكل طاغيةٍ يظنّ أن ملكه دائم، وأن قوته قادرة على كسر إرادة الشعوب. في المقابل، جاء موسى عليه السلام حاملًا مشروع الحق، مستندًا إلى الإيمان، ومسلّحًا باليقين، ليخوض معركةً لم تكن متكافئة في ظاهرها، لكنها كانت محسومةً في جوهرها بوعد الله وسننه التي لا تتبدل.
تتجلى في هذه القصة معالم الطريق: صبرٌ في مواجهة الطغيان، وثباتٌ رغم اشتداد البطش، وثقةٌ لا تهتزّ بنصر الله. وبين هذه المحطات، تتكشف حقيقةٌ كبرى، وهي أن الطغاة، مهما امتلكوا من أدوات القوة، فإن نهايتهم حتمية، وأن لحظة الغرق قد تأتي في ذروة الغرور، كما حدث لفرعون الذي أدرك الحقيقة متأخرًا، حين لم يعد ينفع الندم.
وعند إسقاط هذه السنن على واقع الأمة اليوم، تتضح أبعاد المعركة القائمة، حيث تتكرر المشاهد ذاتها، وإن اختلفت الأسماء والعناوين. طغيانٌ عالمي يسعى للهيمنة، وشعوبٌ تقاوم لتنتزع حقها في الحرية والكرامة. وفي خضم هذا المشهد، تبرز الحاجة إلى الوعي، لا كخيارٍ فكري، بل كضرورةٍ مصيرية تحدد الاتجاه وتحصّن الموقف.
من هنا، جاءت محاضرات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي “رعاه الله ” طوال ليالي شهر رمضان مقدمةً هذا الفهم القرآني العميق، وتربط بين النصّ والواقع، بين القصّة والحدث، وبين السنن الإلهية ومسار المواجهة اليوم. لم يكن استحضار قصة موسى مع فرعون مجرد استذكارٍ تاريخي، بل إعادة إحياءٍ لمنهجٍ متكامل في الرؤية والتحليل والموقف.
خلال هذا الشهر الفضيل، كان حضوره امتدادًا لهذا الدور، حيث قدّم للأمة زادًا من الهدى والبصيرة، يعينها على قراءة الأحداث بوعي، وعلى الثبات في الموقف بثقة. ومع ختام الشهر، لخص خطابه وكأنه خلاصة مرحلة، وتأكيدٌ على أن الطريق، مهما طال، فإن نهايته مرهونةٌ بوعد الله، لا بموازين القوى الظاهرة.
هكذا، يُختتم الحديث كما بدأ: من قصة موسى وفرعون، إلى واقعٍ يعيد إنتاج المشهد، إلى قيادةٍ تسعى لترسيخ الوعي وتثبيت البوصلة. ليبقى الأمل معقودًا على الله، أن يشفي الصدور، وأن يكتب للأمة سلامةً في دينها ودنياها، ونصرًا مبينًا، وتمكينًا يليق بثباتها وتضحياتها، ويؤكد أن الحق، وإن طال به الطريق، ماضٍ إلى غايته لا محالة.
Comments are closed.