ضربة استباقية تُفشل محاولة العدو لكسر معادلة الحصار
ضربة استباقية تُفشل محاولة العدو لكسر معادلة الحصار
يمني برس | تقرير | وديع العبسي
منعطف عسكري وعملياتي هو الأخطَر والأوسَع الذي يتكبده العدو السعودي منذ سنوات. وما استهلكه من وقت وجهد ومال في الإعداد والتحضير لتسجيل أي نقطة لصالحه في المواجهة مع اليمن، تحول خلال لحظات إلى رماد.
الحدث، عمليات عسكرية واسعة ونوعية استهدفت تحشيدات العدو السعودي في مناطق الرويك والعبر والثنية ومعسكرات أخرى تابعة لما يسمى الفرقة الأولى والثالثة طوارئ وكذلك تجمعات المرتزقة في معسكر “صحن الجن” في مأرب بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
النتائج، مصرع وإصابة المئات من مرتزقته، تدمير وإحراق عدد كبير من معسكراته وتحشيداته ومخازن أسلحته في منطقة الوديعة ومأرب، وتدمير عدد كبير من الآليات العسكرية المتواجدة في المعسكرات المستهدفة.
لم تكن العمليات مجرد ضربة عسكرية عابرة، وإنما فعل استباقي حمل دلالات تجاوزت البعد الميداني المباشر، إلى تأكيد ثبات الموقف اليمني في إنهاء الحصار الظالم، والجهوزية لهذا الهدف بكل الوسائل الرادعة. ففي لحظة من تكثيف الجهد بلغت فيه الاستعدادات السعودية ذروتها، وبعد ضبط العداد التنازلي للبدء بجزء حيوي من المخطط السعودي بشن عدوان بري على المحافظات الحرة والشعب اليمني، وفيما التعبئة تشحذ في نفوس المغرر بهم من يمنيين وسعوديين وسودانيين وأجناس أخرى، لأخذ مواقعهم والانتظار لصافرة الضابط السعودي من أجل اقتحام أتون المحرقة عبر مقاتلة إخوة لهم في الجنسية و الدين والعروبة.
في هذه اللحظة المشحونة بكل مشاعر الحقد السعودي على اليمن، انطلقت القوات المسلحة لطمر النار قبل اشتعالها. فأنهت المخطط في مهده، وأنهت فصلاً كان يراد له أن يفتح مساراً طويلاً من الصراع الداخلي بين أبناء البلد.
معاقبة الشعب على مواقفه المبدئية
وضع السعودي كل أمله للخروج من مأزق التحرك القوي للقوات المسلحة من أجل رفع الحصار وإنهاء العدوان، ومأزق العجز عن حماية مصالحه الحيوية وسفنه ونفطه وممراته الملاحية من الحصار، في التوجه لإرباك الوضع اليمني الداخلي، وإشغال اليمنيين عن استكمال مسارهم الجهادي الهادف لكسر أيادي الوصاية، وخنق النزعة الاستعمارية المتلبسة للعدو السعودي. إلا أن القوات المسلحة أحبطت عمله، ونفذت -بكل اقتدار- عمليات استباقية لرد خطر ماثل وداهم يُراد منه معاقبة الشعب اليمني لرفضه الانخراط في مجاميع المستسلمين للإرادة السعودية الأمريكية، وألجمت اللحظة المباغتة كل المراهنين على قدرة المال السعودي بفرض وقائع السطر الأخير وتثبيت أهداف مسار عدوان وحصار متواصلين منذ ما يقارب (12) عاماً.
وجاءت الحصيلة مفجعة، حيث أدت القوة التدميرية للموجات الصاروخية والطائرات المسيرة المتزامنة إلى مصرع وإصابة المئات من المرتزقة المغرر بهم وعناصر الجيش السعودي المتواجدين في تلك المقار والمخيمات المفتوحة. ولم يتوقف الأمر عند تحييد القوة البشرية، بل تعداه إلى تفجير وإحراق أكبر مخازن التسليح والذخيرة والإمداد اللوجستي الاستراتيجي في منطقة الوديعة، وتدمير وإعطاب أعداد كبيرة من الآليات المدرعة، والأطقم العسكرية، وسيارات الدفع الرباعي، ووسائل النقل والجر التي قامت السعودية بتجميعها وتجهيزها على مدى الأسابيع الماضية تمهيداً لشن هجوم بري واسع يستهدف اختراق المحافظات الحرة.
اختراق مسارات التحرك السعودي
إن ما حدث كان أكثر وقعاً لدى السعودي، الذي لا تزال الغشاوة الأمريكية تحجب عنه القدرة في استيعاب ما يحدث، وعن فهم الشعب اليمني متى تحرك، فظن أن كل الترتيبات لرفع وتيرة التصعيد تجري على أعلى مستوى من البذل ومن السرية، بما يحقق له هدف مباغتة اليمنيين وإنهاء حالة الانهيار التدريجي الذي بدأ يشعر به منذ فُرض الحصار على ملاحته. وتناول مراقبون -غير مرة خلال سنوات مضت- الحديث عن عجز السعودية في فهم اليمنيين، الذين أثبتوا -باستهداف التجمعات والتحشيدات السعودية- مستوى متقدماً من القدرة على الرصد والمتابعة واختراق مسارات تحركاتها، كما قدموا نموذجاً عملياً لحقيقة أن العمل على متابعة حركة السفن السعودية لا تعني الغياب عن باقي الجبهات التي يمكن أن يَنفذ منها العدو.
كان رهان العدو قائماً على أن تبقى ترتيبات التصعيد والتحشيد شرق اليمن في أقصى درجات السرية، وأن تمر مراحل الإعداد بعيداً عن الرصد، حتى الوصول إلى لحظة المباغتة وفرض واقع جديد على الأرض. غير أن توقيت العملية أظهر أن حركة التحشيد لم تكن خارج دائرة المتابعة، وأن مختلف المسارات المرتبطة بها كانت دائماً تحت المراقبة حتى اللحظة المناسبة للتعامل معها.
وطوال سنوات العدوان والحصار، كان الاستنفار في مختلف أنشطة الدفاع والحماية حاضراً ونشِطاً في اليمن شعبياً وعسكرياً، بما في ذلك خلال سنوات خفض التصعيد، وهو ما قاد لإحباط وضبط كثير من خلايا التخريب التي تم توظيفها لضرب الجبهة الداخلية. وارتفعت وتيرة الرصد والمتابعة مع توجه اليمنيين لإنهاء حالة الاستضعاف التي تمارسها السعودية وأمريكا تجاههم بما يُبقيهم على وضعية المعاناة المستدامة بلا أي أفق أو أمل لإنهاء هذا الظلم. لهذا عكس نجاح عملية ضرب التحشيدات السعودية، في مناطق الرويك، والعبر والثنية ومعسكرات الوديعة وكذلك “صحن الجن” في مأرب شرقي البلاد، هذه السيطرةَ الكاملة على الموقف، وهذه اليقظة عالية المستوى تجاه تحركات العدو المباشرة وغير المباشرة.
رسائل التوقيت ودلالات الجغرافيا
وأثبت التوقيت الزمني الدقيق للعملية، والذي جاء لحظة تهيؤ العدو لتفجير الموقف، أهميةَ عامل المعلومات في إدارة العمليات العسكرية، وامتلاك القوات اليمنية لشبكة رصد واستطلاع استخباراتي متطورة وقادرة على تتبع أدق التحركات اللوجستية المعادية.
هذا التفوق الاستخباراتي مكن القوات المسلحة من توجيه ضربة استباقية قاتلة جردت العدو من أهم أوراقه العسكرية المتمثلة في عنصر المفاجأة والمناورة البرية، وشلت مراكز القيادة والسيطرة لديه في اللحظات الأولى لتحركها، لتنقلب المعادلات العسكرية رأساً على عقب، وليُبطل الله كيد ومكر وتخطيط القوى المعتدية قبل أن تتمكن من التقدم خطوة واحدة على الأرض.
تحييد جغرافي ولوجستي
في مدلول آخر، وضعت هذه العملية حدّاً لأي توجه سعودي مشابه مستقبلاً. وتتشكل هذه الحقيقة بالنظر إلى البعد الجغرافي للعملية، فمناطق الرويك والعبر والثنية مثلاً، تمثل الممر الاستراتيجي والشريان اللوجستي الذي يربط بين الحدود السعودية والمحافظات الشرقية، واستهداف المعسكرات المتواجدة فيها يعني عملياً عزل القوات المتقدمة والمجندين عن غرف عملياتهم الرئيسية وقواعد إمدادهم. هذا التحييد الجغرافي واللوجستي الكامل لخطوط الدفاع الخلفية يحرم النظام السعودي من القدرة على تجميع قواته أو إعادة تموضعها، ويجعل من أي محاولة مستقبلية لفتح جبهات برية مغامرةً انتحارية مكشوفة تفتقر تماماً للنقاط اللوجستية الآمنة والغطاء التسليحي الكافي لمواجهة الضربات السريعة، وفي ذات السياق فاستهداف معسكر “صحن الجن” الذي يعتبر الجبهة المتقدمة للعدو، تكون القوات المسلحة قد ضربت رأس الأفعى وشل حركتها قبل أن تبدأ.
ما بعد الضربة معادلات جديدة
والأكيد أيضاً أن تداعيات هذه الضربات الواسعة لن تقف عند حدود الشلل التنظيمي والعسكري لما تسمى بقوات الطوارئ في جبهات الشرق، بل ستتجاوز ذلك لتفرض واقعاً ميدانياً جديداً تُسقط فيه القوات المسلحة استراتيجية الحرب بالوكالة بشكل نهائي. والبيان العسكري وجه التحذير المباشر والصارم للنظام السعودي نفسه كونَه المسؤول والمحرك الفعلي لهذا التصعيد، متوعداً إياه بتحمل العواقب الوخيمة لأي حماقة إضافية.
هذا التثبيت الميداني لمعادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” يعني عسكرياً أن أي استمرار سعودي في المماطلة الاقتصادية أو محاولة تحريك الجبهات سيقابل بنقلة عملياتية نوعية تتخطى جغرافيا الوديعة ومأرب والحدود لتطال بشكل مباشر المفاصل الحيوية، والمطارات، والموانئ، ومراكز الثقل الاقتصادي في عمق المملكة العربية السعودية. ووفق ذلك يقف النظام السعودي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانصياع الكامل والمباشر للشروط والمطالب الإنسانية والاقتصادية المشروعة للشعب اليمني ورفع الحصار، أو الدخول في حرب استنزاف شاملة ومفتوحة ستكون منشآته وبنيته التحتية وقواعده العسكرية هدفاً مستمراً لضربات باليستية وجوية لا يمكن صدها. والأيام القادمة هي الكفيلة بتحديد المسارات النهائية لهذه المواجهة التاريخية الواسعة.
الصمت سيد الموقف السعودي
على الصعيد السياسي والدبلوماسي، عكست الردود والمواقف السياسية الرسمية الصادرة والتحركات المتوقعة عمق الصدمة التي أحدثتها العملية الاستباقية؛ حيث تعيش الدوائر السياسية والعسكرية في الرياض حالة من التكتم الشديد ومحاولة امتصاص الصدمة وتخفيف وطأة الفشل الاستخباراتي والميداني، وسط اتهامات متبادلة بين غرف القيادة وفصائل المجندين حول الثغرات الأمنية التي سمحت للقوات المسلحة بمعرفة اللحظات النهائية للحشد وتحديد ساعة الصفر بدقة متناهية. وفي المقابل، سارعت الأطراف الدولية والإقليمية الداعمة للرياض -وفي مقدمتها واشنطن ولندن- إلى إدانة العملية ومحاولة استغلالها لفرض مزيد من الضغوط الدبلوماسية، متناسية أن هذا الفعل العسكري اليمني إنما هو رد مشروع وبديهي على الحصار الشامل المفروض على اليمن منذ (12) عاماً، والمماطلة المستمرة منذ سنوات في تنفيذ “خارطة الطريق” المتفق عليها، بما تضمنته من استحقاقات إنسانية وصرف المرتبات.
السعودية أمام مفترق طُرُق
كما تضع هذه الوقائع المجتمع الدولي أمام حقيقة ثبات الموقف اليمني وعدم جدوى القفز على حقوق الشعب في الاستقرار الاقتصادي والسيادي، ويجبر القوى الإقليمية والدولية على إعادة النظر في حساباتها، بعد أن أثبتت العملية الاستباقية بالدليل القاطع أن أي تصعيد بري أو التفاف على التفاهمات سيقابل بإنهاء فوري لعناصر القوة اللوجستية للعدو وبمعادلة نارية شاملة لا سقف لارتداداتها العسكرية والسياسية.
نقلا عن موقع أنصار الله
Comments are closed.